وإن كان المراد الكفارَ من أهل مكة: الذين حاربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحد، وأصروا على الكفر - فمعنى المَحْق: الاستئصال. وقد كان ذلك.
قال أبو حيان: {وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ} : أي يهلكهم شيئًا فشيئًا.
والمعنى: أن الدولة إن كانت للكافرين على المؤمنين، كانت سببًا لتمييز المؤمن من غيره، وسببًا لاستشهاد من قُتل منهم، وسببًا لتطهير المؤمن من الذنب. فقد جمعت فوائد كثيرة للمؤمنين.
وإن كان النصر للمؤمنين على الكافرين، كان سببا لمحق الكافرين بالكلية، واستئصالهم.
قاله ابن عباس.
ويحمل ذلك ما كان عليه في أَهل مكة.
142 - {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} :
(أمْ) هنا: أفادت الانتقال من الكلام السابق إلى الكلام اللاحق، واستبعاد أن يظنوا دخول الجنة بدون جهاد وصبر عليه.
والمعنى: بَل أظننتم أَن تدخلوا الجنة، ولما يتحقق جهاد المجاهدين منكم، وصبْرُ الصابرين عليه. فيعلم الله ذلك واقعًا دالا على صدق الإيمان, مستتبعا لدخول الجنان!!
وكلمة {لَمَّا} : وإن أفادت نفى ما بعدها من الجهاد والصبر، ولكنها تفيد تَوَقُّعَ حصولهما منهم، وقد وقعا فعلا: في الغزوات التي تلت غزوة أُحد.
{وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (143) وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ (144) } .
المفردات:
{تَمَنَّوْنَ} : أي ترغبون.
{الْمَوْتَ} : المراد به هنا؛ القتال. وقيل: هو على حقيقته؛ طلبًا للشهادة.
{تَلْقَوْهُ} : أي تلقوا سببه. وهو القتال.
{رَأَيْتُمُوهُ} : أي رأيتم الموت، برؤية من يموت في الحرب.
{خَلَتْ} : مضت.
{وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ} المراد: مَن يرتد عن دينه أو ينهزم.
التفسير