«لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا» ..
فينقص من عددهم بالقتل، أو ينقص من أرضهم بالفتح، أو ينقص من سلطانهم بالقهر، أو ينقص من أموالهم بالغنيمة، أو ينقص من فاعليتهم في الأرض بالهزيمة! «أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ» ..
أي يصرفهم مهزومين أذلاء، فيعودوا خائبين مقهورين.
128 - «أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ» ..
فإن انتصار المسلمين قد يكون للكافرين عظة وعبرة، وقد يقودهم إلى الإيمان والتسليم، فيتوب الله عليهم من كفرهم، ويختم لهم بالإسلام والهداية ..
«أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ» ..
يعذبهم بنصر المسلمين عليهم. أو بأسرهم. أو بموتهم على الكفر الذي ينتهي بهم إلى العذاب .. جزاء لهم على ظلمهم بالكفر، وظلمهم بفتنة المسلمين، وظلمهم بالفساد في الأرض، وظلمهم بمقاومة الصلاح الذي يمثله منهج الإسلام للحياة وشريعته ونظامه .. إلى آخر صنوف الظلم الكامنة في الكفر والصد عن سبيل الله.
وعلى أية حال فهي حكمة الله، وليس لبشر منها شيء .. حتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخرجه النص من مجال هذا الأمر، ليجرده لله وحده - سبحانه - فهو شأن الألوهية المتفردة بلا شريك.
بذلك ينسلخ المسلمون بأشخاصهم من هذا النصر: من أسبابه ومن نتائجه! وبذلك يطامنون من الكبر الذي يثيره النصر في نفوس المنتصرين، ومن البطر والعجب والزهو الذي تنتفخ به أرواحهم وأوداجهم! وبذلك
يشعرون أن ليس لهم من الأمر شيء ، إنما الأمر كله لله أولاً وأخيراً.
وبذلك يرد أمر الناس - طائعهم وعاصيهم - إلى الله. فهذا الشأن شأن الله وحده - سبحانه. شأن هذه الدعوة وشأن هؤلاء الناس معها: طائعهم وعاصيهم سواء .. وليس للنبي - صلى الله عليه وسلم - وليس للمؤمنين معه إلا أن يؤدوا دورهم، ثم ينفضوا أيديهم من النتائج، وأجرهم من الله على الوفاء، وعلى الولاء، وعلى الأداء.
وملابسة أخرى في السياق اقتضت هذا التنصيص: «لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ» فسيرد في السياق قول بعضهم:
«هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ؟» .. وقولهم: «لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا.» .. ليقول لهم: إن أحداً ليس له من الأمر من شيء . لا في نصر ولا في هزيمة. إنما الطاعة والوفاء والأداء هي المطلوبة من الناس. وأما الأمر بعد ذلك فكله لله. ليس لأحد منه شيء . ولا حتى لرسول الله .. فهي الحقيقة الأصيلة في التصور الإسلامي.