«وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ» ..
وقد حرص القرآن الكريم على تقرير هذه القاعدة في التصور الإسلامي، وعلى تنقيتها من كل شائبة، وعلى تنحيه الأسباب الظاهرة والوسائل والأدوات عن أن تكون هي الفاعلة .. لتبقى الصلة المباشرة بين العبد والرب.
بين قلب المؤمن وقدر الله. بلا حواجز ولا عوائق ولا وسائل ولا وسائط. كما هي في عالم الحقيقة ..
وبمثل هذه التوجيهات المكررة في القرآن، المؤكدة بشتى أساليب التوكيد، استقرت هذه الحقيقة في أخلاد المسلمين، على نحو بديع، هادئ، عميق، مستنير.
عرفوا أن الله هو الفاعل - وحده - وعرفوا كذلك أنهم مأمورون من قبل الله باتخاذ الوسائل والأسباب، وبذل الجهد، والوفاء بالتكاليف .. فاستيقنوا الحقيقة، وأطاعوا الأمر، في توازن شعوري وحركي عجيب!
ولكن هذا إنما جاء مع الزمن، ومع الأحداث، ومع التربية بالأحداث، والتربية بالتعقيب على الأحداث ..
كهذا التعقيب، ونظائره الكثيرة، في هذه السورة ..
وفي هذه الآيات يستحضر مشهد بدر والرسول - صلى الله عليه وسلم - يعدهم الملائكة مدداً من عند الله إذا هم استمسكوا بالصبر والتقوى والثبات في المعركة - حين يطلع المشركون عليهم من وجههم هذا .. ثم يخبرهم بحقيقة المصدر الفاعل - من وراء نزول الملائكة - وهو الله. الذي تتعلق الأمور كلها بإرادته، ويتحقق النصر بفعله وإذنه.
«اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ» ..
«فهو العزيز» القوي ذو السلطان القادر على تحقيق النصر. وهو «الْحَكِيمِ» الذي يجري قدره وفق حكمته.
والذي يحقق هذا النصر ليحقق من ورائه حكمة ..
127 -ثم يبين حكمة هذا النصر .. أي نصر .. وغاياته التي ليس لأحد من البشر منها شيء:
«لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا. أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ - لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ - أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ. أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ» ..
إن النصر من عند الله. لتحقيق قدر الله. وليس للرسول - صلى الله عليه وسلم - ولا للمجاهدين معه في النصر من غاية ذاتية ولا نصيب شخصي. كما أنه ليس له ولا لهم دخل في تحقيقه، وإن هم إلا ستار القدرة تحقق بهم ما تشاء! فلا هم أسباب هذا النصر وصانعوه ولا هم أصحاب هذا النصر ومستغلوه! إنما هو قدر الله يتحقق بحركة رجاله، وبالتأييد من عنده. لتحقيق حكمة الله من ورائه وقصده: