وفي صحيح مسلم أنه - صلى الله عليه وسلم - أفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش. فلما رهقوه قال: «من يردهم عني وله الجنة؟» فتقدم رجل من الأنصار، فقاتل حتى قتل. ثم رهقوه فقال:
«من يردهم عني فله الجنة وهو رفيقي في الجنة» .. فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «ما انصفنا أصحابنا» .. ثم جالدهم طلحة حتى أجهضهم عنه. وترس عليه أبو دجانة بظهره كما أسلفنا، حتى انجلت الكربة .. وقد بلغ الإعياء برسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه وهو يصعد الجبل والمشركون يتبعونه أراد أن يعلو صخرة فلم يستطع لما به، فجلس طلحة تحته حتى صعدها. وحانت الصلاة.
فصلى بهم جالساً.
ومن أحداث هذا اليوم كذلك:
إن حنظلة الأنصاري (الملقب بحنظلة الغسيل) شد على أبي سفيان، فلما تمكن منه حمل على حنظلة شداد ابن الأسود فقتله. وكان جنباً. فإنه لما سمع صيحة الحرب وهو مع امرأته، قام من فوره إلى الجهاد. فأخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصحابه أن الملائكة تغسله. ثم قال: سلوا أهله ما شأنه؟ فسألوا امرأته، فأخبرتهم الخبر! وقال زيد بن ثابت: بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد أطلب سعد بن الربيع. قال:
فجعلت أطوف بين القتلى، فأتيته وهو بآخر رمق، وبه سبعون ضربة، ما بين طعنة برمح، وضربة بسيف، ورمية بسهم. فقلت: يا سعد. إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ عليك السلام، ويقول لك:
أخبرني كيف تجدك؟ فقال: وعلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - السلام. قل له: يا رسول الله أجد ريح الجنة. وقل لقومي الأنصار: لا عذر لكم عند الله إن خُلص إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفيكم عين تطرف .. وفاضت نفسه من وقته.
ومن رجل من المهاجرين برجل من الأنصار، وهو يتشحط في دمه، فقال: يا فلان. أشعرت أن محمداً قد قتل؟ فقال الأنصاري: إن كان محمد قد قتل فقد بلغ، فقاتلوا عن دينكم.
وقال عبد الله بن عمرو بن حرام: رأيت في النوم، قبل أُحد، مبشر بن عبد المنذر يقول لي: أنت قادم علينا في أيام. فقلت. وأين أنت؟ فقال: في الجنة، نسرح فيها حيث نشاء. قلت له ألم تقتل يوم بدر؟ فقال: بلى. ثم أحييت. فذكرت ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «هذه الشهادة يا أبا جابر» ..