ولقد استطرد بعض المفسرين إلى مسألة القدر في مناسبة جملة قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ولقد كتبنا تعليقا مسهبا على هذه المسألة في سورة القمر فنكتفي بهذا التنبيه مع القول إن الجملة هنا هي في صدد معالجة الموقف والله تعالى أعلم.
تعليق على تعبير الْجاهِلِيَّةِ
وهذا التعبير يرد هنا لأول مرة. ولقد ورد في آيات أخرى، منها ما جاء في مقام مماثل لما ورد فيه هنا وذلك في آية سورة الفتح [26] : إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ ومنها ما جاء في معنى الحكم الذي لا يستند إلى حقّ وشرع وكتاب من الله وذلك في آية سورة المائدة هذه: أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50) ومنها ما جاء في معنى الدور الذي سبق الإسلام وذلك في الآية [33] من سورة الأحزاب: وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى.
وأصل الكلمة اشتقاق من فعل (جهل) الذي هو في الغالب ضد (علم) والذي يأتي في الاستعمال العربي المتواتر في معان عديدة أخرى لا تبعد عن معنى الجهل ومظاهره. مثل التطاول على الغير وارتكاب الموبقات والتسرع والرعونة وعدم التروي وعدم النضج والانفعال النفساني والعاطفي. ومن ذلك خطاب يوسف لإخوته المحكي في الآية [89] من سورة يوسف: قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ وآية الحجرات هذه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ (6) . ومنها البيت المشهور:
ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا
ومنها حديث خاطب به النبي صلى الله عليه وسلم فيه أبا ذرّ في موقف غضب له: «إنّك امرؤ فيك جاهلية» .