وإنما قدم ذكر الفشل على التنازع والمعصية كأنهم فشلوا فِي أنفسهم عن الثبات طمعاً فِي الغنيمة ، ثم تنازعوا من طريق القول فِي أنا هل نذهب فِي طلب الغنيمة أم لا ، ثم اشتغل بعضهم بطلب الغنيمة وإنما ورد الخطاب عاماً وإن كانت المعصية بمفارقة ذلك الموضع خاصة بالبعض اعتماداً على المخصص بعده وهو قوله {ومنك من يريد الآخرة} وفائدة قوله: {من بعد ما أراكم ما تحبون} التنبيه على عظم شأن المعصية لأنهم لما شاهدوا أن الله أكرمهم بإنجاز الوعد كان من حقهم أن يمتنعوا عن المعصية ، فلما أقدموا عليها سلبهم الله ذلك الإكرام وأذاقهم وبال أمرهم . قوله: {ثم صرفكم عنهم} قالت الأشاعرة: معنى هذا الصرف أنه تعالى رد المسلمين عن الكفار وحالت الريح دبوراً وكانت صباً حتى وقعت الهزيمة على المسلمين وقتل منهم من قتل واستولى الكفرة . ولا يتوجه عليهم إشكال أن من مذهبهم أن الخير والشر بإرادة الله وتخليقه . وأما المعتزلة فلم يرضوا بهذا التفسير وقالوا: كيف يضيف الصرف بهذا المعنى إلى نفسه والصرف عن الكفار معصية وقد أضافها إلى الشيطان فِي قوله {إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا} وأيضاً إنه تعالى عاتبهم على ذلك الانصراف ، ولو كان بفعل الله لم يجز معاتبة القوم عليه كما لا يجوز المعاتبة على طولهم وقصرهم وصحتهم ومرضهم؟ فعند ذلك ذكروا فِي تأويل الآية وجوهاً . قال الجبائي: إن الرماة كانوا فريقين: بعضهم فارقوا المكان أوّلاً لطلب الغنائم ، وبعضهم بقوا هناك إلى أن أحاط بهم العدو ، وعلموا أنهم لو استمروا على المكث هناك لقتلهم العدو من غير فائدة أصلاً ، فلهذا السبب جاز لهم أن يتنحوا عن ذلك الموضع إلى موضع يتحرزون فيه عن العدو . ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم ذهب إلى الجبل فِي جماعة من أصحابه فتحصنوا به ، فلما كان ذلك الانصراف جائزاً أضافة الله إلى نفسه بمعنى أنه كان يأمره وبإذانه . ثم قال {ليبتليكم} والمراد أنه