{يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم} أي: يضمرون فيها، أو يقولون فيما بينهم بطريق الخفية: {مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ} لكونه لا يرضاه الله تعالى. ثم بين ذلك بعد إجماله فقال: {يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ} أي: المسموع: {شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَهُنَا} أي: ما غلبنا، أو ما قتل من قتل منا، لأنا كنا نمكث فِي المدينة ولا نخرج إلى العدو. ولما أخبر تعالى بما أخفوه جهلاً منهم، ظناً أن الحذر يغني من القدر، أمره تعالى بالرد عليهم بقوله: {قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ} أي: أجمع رأيكم على أن لا تبرحوا من منازلكم أنتم والمقتولون: {لَبَرَزَ} أي: خرج: {الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ} فِي اللوح المحفوظ: {إِلَى مَضَاجِعِهِمْ} أي: التي قدر الله قتلهم فيها، ولم يثبتوا فِي ديارهم، لأنه يوقع فِي قلوبهم الخروج إمضاء لقدره وحكمه المحتوم الذي لا يقع خلافه ولا يرد، لقوله: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [الحديد: 22] . وفيه مبالغة فِي رد مقالتهم الباطلة، حيث لم يقتصر على تحقيق نفس القتل، بل عين مكانه أيضاً. وفي التعبير بمضاجعهم من إجلالهم وتكريمهم ما لا يخفى على صاحب الذوق السليم {وَلِيَبْتَلِيَ اللّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ} أي: ليعاملكم معاملة الممتحن، ليستخرج ما فِي صدوركم من الإخلاص والنفاق، ليجعله حجة عليكم، فالمؤمن لا يزداد بذلك إلا إيماناً وتسليماً، والمنافق ومن فِي قلبه مرض لا بد أن يظهر ما فِي قلبه على جوارحه ولسانه؛ وهو علة لفعل مقدر قبلها معطوفة على علل لها أخرى مطوية، للإيذان بكثرتها. كأنه قيل: فعل ما فعل لمصالح جمة وليبتلي... الخ، أو لفعل مقدر بعدها، أي: وللابتلاء المذكور فعل ما فعل، لا لعدم العناية بأمر