وفي حديث البراء رضي الله عنه فِي مسند الإمام أحمد أنهم لما انهزموا لم يبق مع النبيَ صلى الله عليه وسلم إلا اثنا عشر رجلاً. وروى مسلم عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد يوم أحد فِي سبعة من الأنصار ورجلين من قريش: {فَأَثَابَكُمْ} أي: جازاكم بهذا الهرب والفرار: {غُمَّاً بِغَمٍّ} أي: غماً متصلاً بغم, يعني غم الهزيمة والكسرة, وغم صرخة الشيطان فيهم بأن محمداً قتل. وقيل: الباء بمعنى مع , وقيل: بمعنى على , وهما قريبان من الأول. وقيل: الباء للمقابلة والعوض , أي: أذاقكم عماً بمقابلة غم أذقتموه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو عصيانكم أمره. قاله الزجاج. وقال الحسن: يريد غم يوم أحد للمسلمين بغم يوم بدر للمشركين, وقيل: المعنى غماً بعد غم أي: غماً مضاعفاً. ثم أشار إلى سر ذلك بقوله: {لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ} أي: لتتمرنوا بالصبر على الشدائد, والثبات فيها, وتتعودوا رؤية الغلبة والظفر والغنيمة, وجميع الأشياء من الله لا من أنفسكم, فلا تحزنوا على ما فاتكم من الحظوظ والمنافع. وقوله: {وَلاَ مَا أَصَابَكُمْ} من الغموم والمضار.
قال العلامة ابن القيم فِي"زاد المعاد": وقيل جازاكم غماً بما غممتم به رسوله بفراركم عنه, وأسلمتموه إلى عدوه. فالغم الذي حصل لكم جزاءً على الغم الذي أوقعتموه بنبيه. والقول الأول أظهر لوجوه:
أحدها: أن قوله: {لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَا أَصَابَكُمْ} تنبيه على حكمة هذا الغم بعد الغم, وهو أن ينسيهم الحزن على ما فاتهم من الظفر, وعلى ما أصابهم من الهزيمة والجراح, فنسوا بذلك السلب, وهذا إنما يحصل بالغم الذي يعقبه غم آخر.
الثاني: أنه مطابق للواقع, فإنه حصل لهم غم فوات الغنيمة, ثم أعقبه غم الهزيمة, ثم غم الجراح الذي أصابهم, ثم غم القتل، ثم غم سماعهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل, ثم غم ظهور أعدائهم على الجبل فوقهم. وليس المراد غمين اثنين خاصة, بل غماً متتابعاً لتمام الابتلاء والامتحان.