إذا التقى مثلان في آخر فعل سَكَنَ ثانيهما جزمًا أو وقفًا؛ فللعرب فيه مذهبان: الإدغام - وهو لغة تميم، والفك - وهو لغة الحجاز، ومتى أدغم هذا النوع: فإمّا أن تكون فاؤه مضمومة أو مفتوحة أو مكسورة، فإن كانت مضمومة كالآية الكريمة وقولهم: (مُدّ) ففيه ثلاثة أوجه: حالة الإدغام: الضم للإتباع، والفتح للتخفيف، والكسر على أصل التقاء الساكنين؛ فتقول: مُدُّ ومُدَّ ومُدِّ، ورُدُّ وردَّ وردِّ. وينشدون على ذلك قول جرير:
فَغُضَّ الطَّرْفَ إنك من نُمَيْرٍ ... فلا كَعْبًا بَلَغْتَ ولا كِلابا
بضم الضّاد وفتحها وكسرها على ما ذكر، وإن كانت مفتوحة نحو: عضّ، أو مكسورة نحو: فِرَّ، كان في اللام وجهان: الفتح والكسر؛ إذ لا وجه للضم، لكن لك في نحو:"فِرَّ"أن تقول: الكسر من وجهين: إمّا الإتباع وإمّا التقاء الساكنين، وكذلك لك في الفتح نحو:"عَضَّ"وجهان أيضًا: إمّا الإتباع وإما التخفيف، هذا كلّه إذا لم يتصلى بالفعل ضمير غائب، فأمّا إذا اتصل به ضمير غائب نحو:"رُدُّه"ففيه تفصيل ولغات يكثر القول فيها ولا يتسع المجال هنا لها.
{وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (121) }
وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ: وَإِذْ: الواو: استئنافيَّة، أو عاطفة على مقدّم. إِذْ:
1 -اسم مبني في محل نصب مفعول به لفعل محذوف تقديره:"واذكر إذ غدوت".
2 -وأجاز ابن الأنباري تعليقه بـ"تبوّئ"،
3 -أو ظرف متعلق بفعل محذوف تقديره"واذكر"، وردّ السمين الظرفية، وجوّز بعضهم أن يكون"وَإِذْ غَدَوْتَ"معطوفًا على"فِئَتَيْنِ"في قوله:"قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ"، أي: قد كان لكم آية في فئتين.
وفي"إِذْ غَدَوْتَ": غَدَوْتَ: فعل ماض مبني على السكون، والتاء: ضمير متصل في محل رفع فاعل. مِن أَهْلِكَ: جار ومجرور متعلقان بـ"غَدَوْتَ". ومِنْ:
1 -إما لابتداء الغاية، أي: من بين أهلك.
قال أبو البقاء:"وموضعه نصب تقديره: فارقتَ أهلك". وردّ ذلك السمين وقال:"وهذا الذي قاله ليس تفسير إعراب ولا تفسير معنى، فإن المعنى على غير ما ذكر".