اختلف علماء النحو والبيان فِي إعراب الجمل الواقعة بعد بطانة ، وقد أجزنا أن تكون مستأنفات على وجه التعليل للنهي عن اتخاذهم بطانة من دون جنسكم وأبناء قومكم. وعليه جرى الزمخشري فقال:
"الأحسن والأبلغ أن تكون مستأنفات ، ويجوز أن تكون صفات متعاقبة". وقد منع الواحدي هذا الوجه لعدم وجود حرف العطف ، وزعم أنه لا يقال: لا تتخذ صاحبا يؤذيك أحب مفارقتكم. على أنه يظهر لي أن الصفة تتعدد بغير عاطف كما يتعدد الخبر نحو"الرحمن ، علم القرآن ، خلق الإنسان ، علمه البيان".
بين ابن هشام والرازي:
تعقب ابن هشام الإمام فخر الدين الرازي بصدد هذه الآية فقال مانصه:"وحصل للإمام فخر الدين فِي تفسير هذه الآية سهو ، فإنه سأل:"
ما الحكمة فِي تقديم"من دونكم"على"بطانة"؟ وأجاب بأنّ محط النهي هو"من دونكم"لا"بطانة"فلذلك قدم الأهم وليست التلاوة كما ذكر.
وأبو حيان وهم وتبعه الصفاقسيّ والحلبيّ:
ومضى ابن هشام فِي تعقيبه قائلا: ونظير هذا أن أبا حيان فسر فِي سورة الأنبياء كلمة"زبرا"بعد قوله تعالى:"وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ"وإنما هي فِي سورة المؤمنون ، وترك تفسيرها هناك ، وتبعه على هذا السهو رجلان لخصا من تفسيره إعرابا.
قلت: أراد ابن هشام بالرجلين اللذين شاركا أبا حيان فِي سهوه هما الصفاقسي وشهاب الدين الحلبي المعروف بالسمين.
[سورة آل عمران (3) : آية 119]
ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (119)
اللغة:
(العض) : تحامل الأسنان بعضها على بعض ، وعضه بأسنانه: