و الإشكال الثاني أنه عطف الفعل المضارع المرفوع على المضارع المجزوم ، وهو يبدو للوهلة الأولى أو لأصحاب النظر السطحي المجرد أنه خلاف الأولى ، ولكنه عدل عن الجزم إلى الرفع ليعلم أن عدم النصر لهم هو عهد قطعه الله على نفسه ، ومن أصدق من الله حديثا أو عهدا وإن انتفاء النصر عنهم مستمر إلى الأبد ، ولا عبرة فِي الحالات الطارئة ، والظروف الاستثنائية المؤقتة التي تسنح لهم فِي الفترات الطويلة المتعاقبة التي ينتصرون فيها فعدل عن الجزم الذي يقتضيه سياق الكلام ، كأنه قال ثم أخبركم مبشرا بأنهم لا ينصرون فِي المستقبل أبدا. كما أشرنا إلى ذلك فِي باب الإعراب.
2 -والفن الثاني فِي هذه الآية هو:"فن التعليق". وهو أن يتعلق الكلام إلى حين ، ولذلك اختير لفظ"ثم"دون حروف العطف ، لأنه يدل على المهلة الملائمة لدلالة الفعل المضارع على الاستقبال ، كأنه قال: ثم هاهنا ما هو أعلى فِي الامتنان ، وأسمى فِي مراتب الإحسان ، وهو أن هؤلاء اليهود قوم لا ينصرون البتة مهما وأتتهم الامكانيات ، ومهما أغدقت عليهم المساعدات.
3 -والفن الثالث فِي هذه الآية هو فن المطابقة المعنوية بين نصر المؤمنين وخذلان الكافرين.
4 -والفن الرابع فِي هذه الآية هو:"فن الاحتراس". لأن الكلام لو عطف بالواو مثلا لظن قصار النظر أنهم إنما وعدوا بالنصر فِي تلك الحالة ليس غير ، فدفع هذا الظن بكلمة"ثم"التي تقطع قطعا لا يرين عليه الشك ، بأن النتيجة الحتمية هي النصر المؤزر للمؤمنين ، خشية أن يظن بعض الذين لا يحبون المسارعة إلى الموت بأن الوعد بالنصر فِي تلك الحالة فقط ، وأن الحرب قد تكون سجالا ، وأنه قد يأتي دورهم بالنصر ، فنفى سبحانه هذا الاحتمال ، وقطع على هؤلاء الظانين الطريق لالتماس المعاذير للتخلف عن الجهاد.