{حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ} ، فجماعة قالوا: نظل كما أمرنا الرسول ، وجماعة قالوا: نذهب إلى الغنائم {مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ} .. وما دمتم قد تنازعتم وقالت جماعة: لنتمسك بمواقعنا ، وقالت جماعة أخرى: لنذهب إلى الغنائم ، إذن فالذي أراد مواصلة القتال إنما يريد الآخرة ولم تلهه الغنائم ، والقسم الذي أراد الدنيا قال: لنذهب إلى الغنائم.
وفي هذه المسألة قال ابن مسعود رضي الله عنه: والله ما كنت أعلم أن أحداً من صحابة رسول الله يريد الدنيا حتى نزل فينا ما نزل يوم أُحد.
أي أنه لم يكن يتصور أن من بين الصحابة من يريد الدنيا ، بل كان يظن أنهم جميعا يريدون الآخرة ، فلما نزل قول الله: {مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ} عرف ابن مسعود أن من الصحابة من تتقلب به الأغيار. وذلك لا يقدح فيهم ؛ لأنهم رأوا النصر ، فظنوا أن المسألة انتهت ؛ لقد سقطت راية الكفر ، وقتل المؤمنون عددا من صناديد قريش. ولقد عفا الله عن المؤمنين وغفر لهم ما بدر منهم من مخالفة لأمر رسوله - صلى الله عليه وسلم - .
{ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ} نعم لأنكم كنتم مشغولين بقتالهم قبل أن تنظروا إلى الغنائم ، فلما نظرتم إلى الغنائم اتجه نظركم إلى مطلوب دنياكم ، فانصرفتم عنهم ، ولم تجهزوا عليهم ولم تتم لكم هزيمتهم وقهرهم ، {ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ} وابتلاؤكم فِي هذه الغزوة إنما هو رياضة وتدريب على المنهج ، كأنهم غزوة مقصودة للابتلاء ، فترون منها كل ما حدث. وبعد ذلك نجحت التجربة ، فبعد هذه المعركة لم ينهزم المسلمون فِي معركة قط.