وَحَاصِلُ الْمَعْنَى أَنَّهُ بَعْدَ أَنْ صَدَقَكُمْ وَعْدَهُ فَكُنْتُمْ تَقْتُلُونَهُمْ بِإِذْنِهِ وَمَعُونَتِهِ قَتْلَ حَسٍّ وَاسْتِئْصَالٍ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ بِفَشَلِكُمْ وَتَنَازُعِكُمْ وَعِصْيَانِكُمْ ، وَحَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ تَمَامِ النَّصْرِ
لِيَمْتَحِنَكُمْ بِذَلِكَ ، أَيْ لِيُعَامِلَكُمْ مُعَامَلَةَ مَنْ يَمْتَحِنُ وَيَخْتَبِرُ ، أَوْ لِأَجْلِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ ابْتِلَاءً وَاخْتِبَارًا لَكُمْ يُمَحِّصُكُمْ بِهِ وَيُمَيِّزُ بَيْنَ الصَّادِقِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَيُزِيلُ بَيْنَ الْأَقْوِيَاءِ وَالضُّعَفَاءِ ، كَمَا عُلِمَ مِنَ الْآيَاتِ السَّابِقَةِ ، وَقَدْ أَسْنَدَ اللهُ - تَعَالَى - صَرْفَ الْمُؤْمِنِينَ عَنِ الْمُشْرِكِينَ إِلَى نَفْسِهِ هُنَا بِاعْتِبَارِ غَايَتِهِ الْحَمِيدَةِ فِي تَرْبِيَتِهِمْ وَتَمْحِيصِهِمُ الَّذِي يُعِدُّهُمْ لِلنَّصْرِ الْكَامِلِ وَالظَّفَرِ الشَّامِلِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ ، وَأَضَافَ مَا أَصَابَهُمْ إِلَيْهِمْ فِي قَوْلِهِ الَّذِي سَيَأْتِي فِي السِّيَاقِ: قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ [3: 165] ، بِاعْتِبَارِ سَبَبِهِ وَهُوَ مَا كَانَ مِنْهُمْ مَنِ الْفَشَلِ وَالتَّنَازُعِ وَالْعِصْيَانِ ، وَقَدْ عَدَّ بَعْضُهُمْ إِسْنَادَ الصَّرْفِ إِلَيْهِ هُنَا مُشْكِلًا لَا سِيَّمَا عَلَى مَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ الَّذِينَ تَكَلَّفَ عُلَمَاؤُهُمْ فِي تَخْرِيجِهِ تَكَلُّفًا لَا حَاجَةَ إِلَيْهِ ، إِذْ لَا إِشْكَالَ فِيهِ وَلَكِنَّ الْمَذَاهِبَ وَالِاصْطِلَاحَاتِ هِيَ الَّتِي تُوَلِّدُ لِأَصْحَابِهَا الْمُشْكِلَاتِ .
قَالَ - تَعَالَى -: وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ بِذَلِكَ التَّمْحِيصِ الَّذِي مَحَا أَثَرَ الذَّنْبِ مِنْ نُفُوسِكُمْ