فإن قلتَ: ما ذكرتَه يقتضي أنّ الشرك سبب فِي إلقاء الرعب فِي قلوب أهله ، فيتعيّن أن يكون الرعب نازلاً فِي قلوبهم من قبل هذه الوقعة ، والله يقول {سنلقي} "أي فِي المستقبل ، قلت: هو كذلك إلاّ أنّ هذه الصّفات تستكنّ فِي النفوس حتَّى يدعو داعي ظهورها ، فالرعب والشجاعة صفتان لا تظهران إلا عند القتال ، وتقويان وتضعفان ، فالشجاع تزيد شجاعته بتكرّر الانتصار ، وقد ينزوي قليلاً إذا انهزم ثُمّ تعود له صفته سرعَى."
كما وصفه عمرو بن الإطْنابَةِ فِي قوله:
وقَوْلي كُلَّمَا جَشَأتْ وجَاشَتْ...
مَكَانَككِ تُحْمَدِي أوْ تَسْتَرِيحِي
وقول الحُصَيْنِ بن الحُمَام:
تَأخَّرْتُ أسْتَبْقِي الحياة فلم أجدْ...
لِنَفْسِي حَيَاة مثلَ أنْ أتَقدّمَا
وكذلك الرعب والجبن قد يضعف عند حصول بارقة انتصار ، فالمشركون لما انهزموا بادِئ الأمر يومَ أُحُد ، فُلَّت عزيمتهم ، ثُمّ لمّا ابتلَى الله المؤمنين بالهزيمة راجعَهم شيء من الشجاعة والازدهاء ، ولكنّهم بعد انصرافِهم عَاوَدَتْهم صفاتهم ، (وتأبَى الطِبَاعُ عَلى الناقل) .
فقوله: {سنُلقي} أي إلقاءَ إعادةِ الصفة إلى النُّفوس ، ولك أن تجعل السين فيه لمجرّد التَّأكيد أي ألقينا ونُلقي ، ويندفع الإشكال.