وإنما جمع الله لهم بين الثوابين؛ لأنهم أرادوا بعملهم هاتين السعادتين سعادة الدنيا، وسعادة الآخرة كما هو شأن المؤمن {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً} .
وقال عليُّ بن أبي طالب رضي الله عنه: من عمل لدنياه أضر بآخرته، ومن عمل لآخرته أضر بدنياه، وقد يجمعهما الله تعالى لأقوامٍ.
وهذه الآية وأشباهها حجة على الغالين في الزهد الذين يتحرجون عن الاستمتاع بشيء من لذات الدنيا، ويعدون ذلك منافيًا للتقوى ومبعدًا عن رضوان الله تعالى.
{وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} ؛ أي: المعترفين بكونهم مسيئين مقصِّرين، فلما اعترفوا بذلك سماهم الله محسنين، كأنه تعالى يقول لهم: إذا اعترفتم بإساءتكم وعجزكم .. فأنا أصفكم بالإحسان, وأجعلكم أحباء لنفسي حتى تعلموا أنه لا سبيل للعبد إلى الوصول إلى رضا الله تعالى، إلا بإظهار الذلة والمسكنة والعجز.
وقال أبو حيان: وفسَّر المفسرون {الْمُحْسِنِينَ} هنا بأحد معنيين:
الأول: من أحسن ما بينه وبين ربه بلزوم طاعته.
والثاني: من ثبت في القتال مع نبيه حتى يقتل أو يغلب؛ لأنهم هم الذين يقيمون سننه في أرضه، ويظهرون أعمالهم، وأنهم جديرون بخلافة الله فيها، ولا تكون أعمالهم إلا بما يرضي الله تعالى، فهي من الله ولله. وفي هذا تعليمٌ من الله تعالى لعباده المؤمنين أن يقولوا مثل هذا: عند لقاء العدو، وفيه دقيقةٌ لطيفةٌ، وهي أنهم لمَّا اعترفوا بذنوبهم، وكونهم مسيئين سماهم الله تعالى محسنين. انتهى انتهى {حدائق الروح والريحان. 5/ 145 - 171} ...