يفهم من هذا كله أن موت الأنفس لا يكون إلا بمشيئة الله. وفي ذلك تحريض على الجهاد، وتشجيع على لقاء العدو، وإعلام بأن الحذر المؤدي إلى معصية الله لا ينفع، وأن أحدا لا يموت قبل بلوغ أجله، وإن خاض المهالك، واقتحم المعارك. وإذا كان الأمر كذلك فكيف ترتدون على الأعقاب إذا قتل أو مات رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! وكيف لا تستمرون على دينه؟. وإذ كان الثبات وعدمه مرتبطين بالإيمان بالآخرة، ختم الله الآية بقوله: وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها أي: من كان عمله للدنيا فقط ناله منها مما قدره الله له، ولم يكن له في الآخرة من نصيب. وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها أي: ومن قصد بعمله الدار الآخرة أعطاه الله منها، وما قسم له في الدنيا ناله .. وفي الآية تعريض مباشر بالذين شغلتهم الغنائم يوم أحد، وتحذير لكل مسلم أن تكون الدنيا مؤثرة عنده على الآخرة، فيترك الإسلام قولا أو عملا من أجل دنيا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ الذين يثبتون على دين الله، قولا وعملا واعتقادا، أي:
سنعطيهم من فضلنا ورحمتنا.
ثم بين الله - عزّ وجل - الموقف الصحيح في مثل هذه الظروف من خلال مواقف الأنبياء السابقين وأتباعهم. وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ الربيون: هم الربانيون، قال الحسن في تفسير الآية: علماء كثير، وقال: علماء صبر، وفسرها ابن كثير فقال: أي أبرار أتقياء. ومآل المعنى كما اختاره ابن جرير: كم من نبي قتل،
وقتل معه ربيون من أصحابه كثير فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي: فما فتروا عند قتل نبيهم للذي أصابهم في سبيل الله وَما ضَعُفُوا عن الجهاد بعد قتل نبيهم. وَمَا اسْتَكانُوا أي: وما ضعفوا لعدوهم، ولا ذلوا له، بل استمر من بقي منهم على الجهاد، والعزة، والإسلام، وفي هذا نوع تعريض بما أصاب الصحابة من الوهن عند الإرجاف بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستكانة بعضهم حتى أرادوا أن يعتضدوا بابن أبي في طلب الأمان من أبي سفيان. وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ على الإسلام وجهاد أعدائه.