تَعْلُو نَفْسُهُ عَلَى نُفُوسِ مَنْ أَخْلَدُوا إِلَى الشَّهَوَاتِ وَكَأَنَّ حَظَّهُمْ مِنْ عِلْمِهِمْ كَحَظِّ الْحَشَرَاتِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْحَيَوَانَاتِ: أَكْلٌ وَشُرْبٌ وَسِفَادٌ وَبَغْيٌ مِنَ الْقَوِيِّ عَلَى الضَّعِيفِ.
قِسْ عَلَى هَذَا وُجُودُ مَنْ يُرِيدُ بِعَمَلِهِ الْقُرْبَ مِنَ اللهِ وَالتَّخَلُّقَ بِأَخْلَاقِهِ وَالتَّحَقُّقَ بِتَجَلِّيَاتِ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، الْقُرْبَ مِنَ الْوَاسِعِ الْعَلِيمِ، الْخَلَّاقَ الْحَكِيمِ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ بِسَعَةِ الْقَلْبِ، وَبَسْطَةِ الْعِلْمِ، وَإِقَامَةِ النِّظَامِ وَالْحِكْمَةِ، وَنَصْبِ مِيزَانِ الْعَدْلِ وَبَسْطِ بِسَاطِ الرَّحْمَةِ، أَلَّا تَرَاهُ يَكُونُ أَشْرَفَ وُجُودٍ بَشَرِيٍّ وَأَعْلَاهُ بِحَسَبِ إِرَادَتِهِ وَسُنَنِ اللهِ؟
لَسْتُ بِهَذَا الرَّمْزِ إِلَى مَكَانَةِ إِرَادَةِ الْبِرِّ مِنْ تَصْرِيفِ أَعْمَالِهِمْ وَتَوْجِيهِهَا إِلَى سَعَادَتِهِمْ أَوْ شَقَائِهِمْ بِخَارِجٍ عَنْ مَوْضُوعِ تَفْسِيرِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ ; فَإِنَّ رَبَّ الْعِزَّةِ قَدْ جَعَلَ عَطَاءَهُ لِلنَّاسِ مُعَلَّقًا عَلَى إِرَادَتِهِمْ وَلَا يُقَدِّرُ هَذَا حَقَّ قَدْرِهِ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ، فَهُمْ فِي حَاجَةٍ إِلَى مِثْلِ هَذَا التَّذْكِيرِ بَلْ إِلَى أَكْثَرَ مِنْهُ.
إِذَا فَقِهْتَ مَعْنَى قَوْلِهِ: وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ أَيِ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْهِمْ بِقُوَّةِ الْإِرَادَةِ وَيَسْتَعْمِلُونَهَا فِيمَا يُعَرِّجُ بِهِمْ إِلَى مُسْتَوَى الْكَمَالِ، فَتَكُونُ أَعْمَالُهُمْ صَالِحَةً رَافِعَةً لِنُفُوسِهِمْ وَنَافِعَةً لِغَيْرِهِمْ. وَأَبْهَمَ هَذَا الْجَزَاءَ لِتَعْظِيمِ شَأْنِهِ.