والحق سبحانه وتعالى صادق فِي كل بلاغ عنه ؛ لأن كل أمر يحدد الأجل ليس بمراد الموكَّل بإنهاء الأجل ، إنما هو بإذن من الله تعالى الذي يحدد ذلك. وما دام كل أمر قد صدر منه فهو سبحانه الذي يتوفى الأنفس ، وبعد ذلك فالملك الذي يتوفى الأنفس - عزرائيل - له أعوان ؛ فهو عندما يتلقى الأمر من الله فهو ينقل الأوامر إلى أعوانه ليباشر كل واحد مهمته. إذن فصيرورة الأمر بالموت نهائيا إلى الله.
وصيرورة الأمر بالموت إلى الملائكة ببلاغ من الله ، هذا هو الإذن ، والإذن يقتضي مأذونا ، والمأذون هم ملائكة الموت الذين أذن لهم ملك الموت بذلك ، وملك الموت تلقي الإذن من الله سبحانه وتعالى.
ويقول الحق من بعد ذلك: {وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا} فالذي يريد جزاء الدنيا وهو الذي يطلب جزاء حركته فيها ، يأخذها ، ولو كان كافرا:
{مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَّدْحُوراً} [الإسراء: 18]
ويقول سبحانه وتعالى فِي موضع آخر من القرآن الكريم:
{مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ} [الشورى: 20]
وهذا ينهي عملية أن تقول: إن الكفار حالتهم أفضل من حالتنا ، الكفار متقدمون ؛ ونحن متخلفون. وهل لم تأت فترة كان فيها المؤمنون متقدمين جدا ؟ لقد جاءت فترة تقدم فيها المؤمنون ، وكانوا متقدمين لألف سنة ، وهم الدولة الأولى فِي العالم. وكان الكفار يسمون زمانهم ودولهم بأنها تحيا فِي عصور الظلمات. لماذا أنكرتم هذه! ؟ لأن التاريخ جاء لنا من ناحية هؤلاء وقد شوهوه ، ولذلك نقول لهم: نحن كنا متقدمين وأنتم والتاريخ يشهد بذلك.