فإن سأل سائل: عن العربية، لم سميت العربية؟
قيل له: - وبالله التوفيق - إن الجواب المشهور في ذلك؟ أن يقال: إن أول من عدل عن السريانية وتكلم بالعربية يعرب بن قحطان وكان يجب أن يقال اللغة العربية، ولكنهم حذفوا الياء طلباً للتخفيف وقالوا: العربية.
وفي هذا نظر، لأن العلماء ذكروا أن غابر أبا قحطان كان له ثلاثة بنين: أحدهم قحطان، والآخر يقطان، والآخر يقال له: ماتح ويقال: فالغ، ويقال: بلاغ.
فإن كان هذا هكذا لم يمكن أن يكون يعرب أول من نطق بالعربية، لأن قحطان وفالغ ويقطان أسماء عربية.
ولا يحفظ هذا، أن الاسمان - أعني يقطان وقحطان - إلا عربيان.
فلو لم يكن غابراً عربي اللسان، لأشبه أن لا يسمى ابنيه باسمين عربيين والله أعلم.
وعلى أن غابر أيضاً اسم عربي، فالأشبه أن يكون المسمى به عربياً.
وفيه وجه آخر: وهو أن اللغة المنسوبة إلى العرب، والعرب سموا عرباً لأنهم سكان البدو وينزلون على الماء حيث أصابوه.
فإذا تقادموا فيه عرفوا بموضع آخر فيه ماء وصاروا إليه، والعرب في لسانهم الماء.
يقال: بئر كثيرة العرب.
أي الماء.
وبئر عربة: أي كثير الماء.
فسموا عرباً لأنهم يبتغون العرب وهو الماء، ويسكنون حيث يكون، كما سموا المطر سماء، لأنه من قبل السماء يأتي ومن ناحيتها ينزل.
وعلى هذا فيحتمل أن يكون إسماعيل صار أصلاً جديداً للعرب، لأن الله تعالى لما أسكنه وادياً غير ذي زرع، وماء خصه بماء أنيط له، ثم وردت غيرهم إحدى قبائل العرب ذلك الماء، فنزلوا عليه، فعلمه الله تبارك وتعالى العربية، ليمكنه مناطقة جيرانه.
وكان الماء يسمى في لسانهم عرباً، ولا يسميهم إياه، سموا بهذا الاسم.
استحق في اللسان الذي أحدث الله تعالى تعليمه إياه أن يسمى عربياً، لأن غيره إنما كان يدعى باسم ما مشترك بينه وبين غيره.
وأما الذي اتبعه الله تعالى لإسماعيل إنما كان كرامة له خاصة مكان يدعى له وينسب إليه في اللسان الذي استحدثه أحق، فصار أصلاً جديداً للعربي من حيث علمه الله لغة العرب الذين كانوا.
وحقق له المعنى الذي لأجله كانوا يسمون عرباً والله أعلم.
ووجه آخر: هو أنهم سموا عرباً لشدة أعرابهم الخيل إذا ركبوا، وسميت خيلهم عرباً لشدة جريها، وسرعتها.
لأنهم يسمون النهر الشديد الجري عربه، فشبهوا خيلهم بها، إذ كان لا يشكل أنه ليس في دواب الدنيا أشد منها ولا أجرى، وأغذ سيراً منها.