والمفاضلة إذا كانت بين الأبناء ثم كانت في آباء أحد المتفاخرين نبي، فلم يكن في الآباء الآخرين وجه ذلك النبي من النسب إلا أب كافر لم يشكل على ذي عقل، أن عدو الله لا يعدل نبي الله.
فإن قيل: يقدمه عليه لآبائه الكافر، وإنما يقدمه عليه بإسماعيل، ولم يقل النبي - صلى الله عليه وسلّم - لصفية، إنما أبوهما إسماعيل وأبوك إسحاق.
فيكون ذلك دليلاً على ما أردت والله أعلم.
فإن قال قائل: لم امتنعتم من تقديم ولد إسحاق على ولد إسماعيل، وفي ولد إسحاق النبوة الدائمة إلى مبعث نبيكم - صلى الله عليه وسلّم - ، ولم يكن في ولد إسماعيل نبوة إلى أن كان نبيكم - صلى الله عليه وسلّم - أنكرتم أن يكون من ولده نبيان أو ثلاثة أشرف وأكرم من ولد نبي واحد.
قيل - وبالله التوفيق - إنما أثبتنا ذلك من أوجه:
أحدهما أن أصل العرب والعجم، إذا كان إبراهيم صلوات الله عليه كما دعيت، وكان فخر النبيين به، ثم إن النبوة لما درجت منه إلى إسحاق، ومنه إلى أولاده وصارت لها شرائع غير شريعة إبراهيم، فكان من أهلها يهود ونصارى {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً} ولما درجت منه إلى إسماعيل ولم يزل بعد ذلك إلى أن أورثها الله محمداً - صلى الله عليه وسلّم - وأحبابه ما درس منها كان ولد إسماعيل في هذا الوجه، أمس لإبراهيم وأخص به.
وإذا كان جل الفخر به، وجب أن يكون أولى به، أحق بهذا الفخر والله أعلم.
يتبين بما قلنا أن العرب في جاهليتها لم تكن تدع حج البيت وتعظيم الشهر الحرام ويبقى نكاح البنات والأخوات والأمهات خلاف الفرس ولا يدع الختان والغسل من الجنابة، ويعمل في العتق والطلاق على ما جاء به الإسلام، ويرى الثنيوية بالثلث والتزوج على المرأة والرجعة في الواحدة والتبيين، ويحكم في دية النفس بمائة من الإبل ويورث الحشي من حيث يقول، ويعترف بالملكين، وينسخ الأعمال، فإن فيما يروى أن عبد المطلب بن هاشم كتب بخطه ذكر حق له على رجل من أهل حمير فقال: باسمك اللهم ذكر حق عبد المطلب بن هاشم من أهل مكة على فلان بن فلان الحميري، من أهل صنعاء له ألف درهم فضة طيبة، ومتى دعاه بها أجابه أشهد الله والملكان.
وقال الأعشى:
فلا تحسبني كافراً لك نعمة
علي شاهدي يا شاهد الله فاشهد فالشاهد الأول لسانه، والشاهد الآخر الملك، وأما الفرس ولا يخفي بعدهم من هذا كله، وذلك لصدق ما وصفت.