فقد كان منهم هاشم بن عبد مناف الذي بلغ بين إطعامه كل من ورد عليه ومر به، إذ كان يقال له: (مطعم طير السماء) ، وكان ينفق على الحاج في كل سنة ربع ماله، وقد كان في العرب من لا يسميهم من أثر غيره على نفسه بما كانت في قعده هلكته.
ومنهم من ورد على أسير فاستغاث به ففداه، وماله غائب عنه فأطلقه، وامام في القدم كأنه حتى أحضر ماله، فأذاه.
ومنهم من استجار به غيره فقتله، فلم يمت من قرابة جاره أحد إلا وذاه، ومنهم من نزل به ضيف، ولا مال له إلا بعير فنحره للضيف، ولولا أن كتابنا هذا ليس إلا لأخبار الديانات لا وردت مما جاء في هذه الأبواب ما يشفي الصدر، ولكنها موجودة عند أهلها لا يتعذر الوصول إليها على من أرادها بإذن الله تعالى.
فأما الفرس بالعراء من هذا كله، وإنما لهم البذخ والزهو والصلف والفخر بالأموال والعدد التي كانت لسلفهم، وقد سلبهم الله - عز وجل - جميعها بأيدي العرب ورماحهم وسيوفهم.
والبسر بن أقر بن جعثم أعرابياً من نبيء بذبح سوارى كسرى، إذ كان رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - بشرة بذلك، فأنى يسوغ لهم الفخر على قومهم أذلهم الله بهم وأعلى بهم عليهم، ويفل الملك عنهم إليهم حكماً منه عدلاً، وقضاء حقاً وبالله التوفيق.
ثم جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «من أحب العرب فيحبني أحبهم، ومن أبغض العرب فيبغضني أبغضهم» وعنه - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال لسلمان: «يا سلمان، لا تبغضني فتفارق دينك: قال: قلت يا رسول الله وكيف أبغضك وبك هداني الله؟ قال: تبغض العرب فتبغضني» .
وعنه - صلى الله عليه وسلّم - أنه سمع رجلاً يقول: إني أمرؤ حميري بنسبي، لا من ربيعة آبائي ولا مضر، فقال له: «ذاك أضرع لجدك وأبعد من الله ورسوله» وعنه - صلى الله عليه وسلّم - قال: «من غش العرب لم يدخل في شفاعتي ولم تنله مودتي» وعنه - صلى الله عليه وسلّم -: «إذا اختلف الناس فألحق في مضر» وعنه - صلى الله عليه وسلّم - قال: «الأئمة من قريش» وقال: «الناس تبع لقريش، خيارهم أخيارهم، وشرارهم أشرارهم» وعنه - صلى الله عليه وسلّم -: «أن قريشاً أهل صبر وأمانة، فمن فعالهم الغواء تركته الله لوجهه يوم القيامة» وعنه - صلى الله عليه وسلّم -: «تعلموا عن قريش ولا تعلموها، وقدموا قريشاً ولا تقدموها» وعنه - صلى الله عليه وسلّم -: «أن القرشي قوة الرجلين من غير قريش» قيل للزهري: ما عنى بذلك؟ قال: في نيل الرأي.