بَعْدَ مَا بَيَّنَ - تَعَالَى - لِلْمُؤْمِنِينَ أَنَّ الْفَوْزَ وَالظَّفَرَ فِي الدُّنْيَا وَدُخُولَ الْجَنَّةِ فِي الْآخِرَةِ لَا يَكُونَانِ بِالْأَمَانِي وَالْغُرُورِ ، وَلَا يُنَالَانِ بِالْمُحَابَاةِ وَالْكَيْلِ الْجُزَافِ ، بَلْ بِالْجِهَادِ وَمُكَافَحَةِ الْأَيَّامِ وَمُصَابَرَةِ الشَّدَائِدِ وَالْأَهْوَالِ ، وَاتِّبَاعِ سُنَنِ اللهِ فِي هَذَا الْعَالَمِ - وَبَعْدَ مَا بَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ دَعْوَى الْإِيمَانِ وَدَعْوَى الْجِهَادِ وَالصَّبْرِ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِمَا الْجَزَاءُ بِالنَّصْرِ وَدُخُولِ الْجَنَّةِ ، وَإِنَّمَا يَتَرَتَّبُ ذَلِكَ عَلَى تَحَقُّقِهِمَا بِحَسَبِ عِلْمِ اللهِ الْمُطَابِقِ لِلْوَاقِعِ لَا بِحَسَبِ ظَنِّ النَّاسِ وَشُعُورِهِمْ - بَعْدَ هَذَا وَذَاكَ أَرْشَدَهُمْ إِلَى أَمْرٍ وَاقِعٍ يَظْهَرُ لَهُمْ بِهِ تَأْوِيلُ قَوْلِهِ - تَعَالَى -: وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَقَوْلِهِ: وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ إِلَخْ . وَطَرِيقُ الْجَمْعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ شُعُورِهِمْ وَاعْتِقَادِهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمْ يُقَصِّرُوا فِي الْجِهَادِ وَالصَّبْرِ فَيَتَعَلَّمُونَ كَيْفَ يُحَاسِبُونَ أَنْفُسَهُمْ وَلَا يَغْتَرُّونَ بِشُعُورِهِمْ وَخَوَاطِرِهِمْ فَقَالَ: