يُبْتَلَى بِهِ الْمُؤْمِنُ مِنْ مُدَافَعَةِ الْبَاطِلِ وَنُصْرَةِ الْحَقِّ . وَقَالَ: إِنَّ لِلَّهِ فِي كُلِّ نِعْمَةٍ عَلَيْكَ وَلِلنَّاسِ عَلَيْكَ حَقًّا ، وَأَدَاءُ هَذِهِ الْحُقُوقِ يَشُقُّ عَلَى النَّفْسِ فَلَا بُدَّ مِنْ جِهَادِهَا لِيَسْهُلَ عَلَيْهَا أَدَاؤُهَا ، وَرُبَّمَا يَفْضُلُ بَعْضُ جِهَادِ النَّفْسِ جِهَادَ الْأَعْدَاءِ فِي الْحَرْبِ ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُثَبِّتَ فَكُرَةً صَالِحَةً فِي النَّاسِ أَوْ يَدْعُوَهُمْ إِلَى خَيْرِهِمْ مِنْ إِقَامَةِ سُنَّةٍ أَوْ مُقَاوَمَةِ بِدْعَةٍ أَوِ النُّهُوضِ بِمَصْلَحَةٍ فَإِنَّهُ يَجِدُ أَمَامَهُ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُقَاوِمُهُ وَيُؤْذِيهِ إِيذَاءً قَلَّمَا يَصْبِرُ عَلَيْهِ أَحَدٌ . وَنَاهِيكَ بِالتَّصَدِّي لِإِصْلَاحِ عَقَائِدِ الْعَامَّةِ وَعَادَاتِهِمْ ، وَمَا الْخَاصَّةُ فِي ضَلَالِهِمْ إِلَّا أَصْعَبُ مِرَاسًا مِنَ الْعَامَّةِ .
وَمِنْ مَبَاحِثِ اللَّفْظِ فِي الْآيَةِ مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ مِنْ مَعْنَى أَمْ وَلَمَّا ، وَمِنْهَا أَنَّ قَوْلَهُ: وَيَعْلَمَ مَنْصُوبٌ بِإِضْمَارِ"أَنْ"عَلَى أَنَّ الْوَاوَ لِلْجَمْعِ ، كَقَوْلِهِمْ: لَا تَأْكُلِ السَّمَكَ وَتَشْرَبَ اللَّبَنَ أَيْ لَا يَكُنْ أَكْلُ السَّمَكِ وَشُرْبُ اللَّبَنِ مَعًا ، فَالتَّقْدِيرُ فِي الْآيَةِ عَلَى هَذَا: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَالْحَالُ أَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ مِنْكُمُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْجِهَادِ وَالصَّبْرِ .