ثُمَّ قَالَ - تَعَالَى -: وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ قَالَ فِي الْأَسَاسِ: مَحَّصَ الشَّيْءَ مَحْصًا وَمَحَّصَهُ تَمْحِيصًا خَلَّصَهُ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ ، وَمَحَّصَ الذَّهَبَ بِالنَّارِ خَلَّصَهُ مِمَّا يَشُوبُهُ ،
ثُمَّ قَالَ: وَمِنَ الْمَجَازِ مَحَّصَ اللهُ التَّائِبَ مِنَ الذُّنُوبِ ، وَمَحَّصَ قَلْبَهُ وَتَمَحَّصَتْ ذُنُوبُهُ وَتَمَحَّصَتِ الظَّلْمَاءُ تَكَشَّفَتْ قَالَ:
حَتَّى بَدَتْ قَمْرَاؤُهُ وَتَمَحَّصَتْ ... ظَلْمَاؤُهُ وَرَأَى الطَّرِيقَ الْمُبْصَرِ
أَقُولُ: وَأَصْلُ الْمَحْقِ النُّقْصَانُ كَمَا قَالَ الرَّاغِبُ وَمِنْهُ الْمِحَاقُ لِآخِرِ الشَّهْرِ ، وَقَالَ فِي الْأَسَاسِ:"مَحَقَ الشَّيْءَ مَحَاهُ وَذَهَبَ بِهِ . . وَسَمِعْتُهُمْ يَقُولُونَ فِي كُلِّ شَيْءٍ لَا يُحْسِنُ الْإِنْسَانُ عَمَلَهُ: قَدْ مَحَقَهُ ، وَيَقُولُونَ لِلْهَلَكَةِ: الْمَحْقَةُ"قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: إِنَّ تَمْحِيصَ الْمُؤْمِنِينَ عِبَارَةٌ عَنْ تَكْفِيرِ ذُنُوبِهِمْ وَمَحْوِ سَيِّئَاتِهِمْ ، وَعَبَّرَ عَنْهُ بَعْضُهُمْ بِالتَّطْهِيرِ وَالتَّزْكِيَةِ . وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ وَغَيْرِهِمَا مِنَ السَّلَفِ تَفْسِيرُ التَّمْحِيصِ بِالِابْتِلَاءِ وَالِاخْتِبَارِ . وَكَأَنَّهُ بَيَانٌ لِمَبْدَئِهِ دُونَ غَايَتِهِ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُمَحِّصُ اللهُ بِالْمَصَائِبِ ذُنُوبَ الْمُؤْمِنِينَ وَبِمَحْقِ نُفُوسِ الْكَافِرِينَ . وَرَدَّ الْأُسْتَاذُ قَوْلَ مَنْ قَالَ: إِنَّ التَّمْحِيصَ تَكْفِيرُ الذُّنُوبِ بِأَنَّ الْمَعْهُودَ مِنَ الْقُرْآنِ التَّعْبِيرُ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى بِالتَّكْفِيرِ ، وَأَنَّ لِلتَّمْحِيصِ هُنَا مَعْنًى آخَرَ يَتَّفِقُ مَعَ