وقوله تعالى: {وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا} . اختلفوا في العامل في اللام، فذكروا فيه وجهين:
أحدهما: أن اللام صِلَةٌ لِفِعْلٍ مُضْمَر، يدل عليه أولُ الكلام،
بتقدير: ولِيَعلم اللهُ الذين آمنوا؛ نُدَاولها.
الوجه الثاني: أن العامل فيه: {نُدَاوِلُهَا} المذكور؛ بتقدير: نداولها بين الناس؛ ليظهر أمرهم، وليَتَبَيَّنَ أعمالَهم، وليعلم الله الذين آمنوا.
فَلَمَّا انكشف معنى اللّامِ المُضمَرة في (لِيظهر) ، و (لِيَتبيَّن) ، جرت مجرى الظاهرة؛ فأمكن العطْفُ عليها. [و] الوجهان، ذكرهما ابنُ الأنباري، وغيرُهُ مِن أهلِ النَّحْو.
و (العِلْمُ) إذا لم يتعلق بالذَّاتِ، اقتَضَى مَعْلُومَيْنِ؛ كما تقول: (عَلِمْتُ زَيْدًا عاقلًا، وَجَوادا) . فلا تقول: (عَلِمْتُ زَيْدًا) فقط؛ إلّا أن تريد به: عَرَفْتَهُ، وعَلِمْتَ مَنْ هُوَ.
والمفعول الثاني - ههنا - محذوف. والتقدير: وَلِيَعلمَ اللهُ الذين آمنوا [مُمَيَّزينَ] بالإيمان مِنْ غيرهم؛ أي: إنما يجعل الدَّولةَ للكفارِ على المسلمين، لِيُميِّزَ [المؤمن] المخلص، مِمَّن يرتد عن الدين إذا أصابته نكبةٌ.
ويحتمل أن يكون (العِلْمُ) - ههنا - بمعنى: معرفة الذات؛ والتأويل: وَلِيَعلمَ اللهُ الذين آمنوا بما يظهر من صبرهم على جهاد عدوِّهم؛ أي: لِيَعرِفَهم بأعيانهم. إلَّا أنَّ سَبَبَ العِلْم، - وهو: ظهور الصبر - حذف ههنا - .
وقال الفراء: هذا في مذهب [ (أيّ) ] و (مَنْ) ؛ التأويل: ليعلم الله مَن المؤمن، وأيّهُم المؤمن؛ كما قال: {لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى} . وجاز ذلك؛ لأنَّ في (الذي) ، وفي الأَلِفِ واللَّامِ تأويل (مَن) و (أيّ) ؛ كما قال: {فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [العنكبوت: 3] .