شبهت بالدلاء لكونها تارة مملوءة وأخرى فارغة ، وليس المراد من هذه المداولة أنه تعالى تارة ينصر المؤمنين وأخرى ينصر الكافرين ، فإن نصرة الله منصب شريف لا يناله الكافرون . بل المراد أنه تارة يشدد المحنة على الكافرين وأخرى على المؤمنين وذلك أنه لو شدد المحنة على الكفار فِي جميع الأوقات وأزالها عن المؤمنين فِي جميعها لحصل العلم الاضطراري بأن الإيمان حق وما سواه باطل ، ولو كان كذلك لبطل التكليف والثواب والعقاب . فالحكمة فِي المداولة أن تكون الشبهات باقية والمكلف يدفعها بواسطة النظر فِي الدلائل الدالة على صحة الإسلام ، فيعظم ثوابه عند الله وإلى هذا يشير قوله سبحانه: {وليعلم الله الذين آمنوا} وحذف المعطوف عليه ليذهب الوهم كل مذهب ويقرر الفوائد . والتقدير نداولها بين الناس ليكون كيت وكيت وليعلم . وفي إيذان بأن المصلحة فِي هذه المداولة ليست بواحدة ولكن فِي ضمنها مصالح جمة لو عرفوها انقلبت مساءتهم مسرة منها أن يعلم الله . وقد احتج هشام بن الحكم يظاهر هذه الآية ونحوها كقوله: {ولما يعلم الله الذين جاهدوا} [آل عمران: 142] على أنه تعالى لا يعلم الحوادث إلا عند وقوعها وقد سبق الأجوبة عنها فِي تفسير قوله تعالى: {وإذا ابتلى إبراهيم ربه} [البقرة: 124] وتأويل الآية أن إطلاق لفظ العلم على المعلوم والقدرة على المقدور مجاز مشهور ، يقال: هذا علم فلان أو قدرته والمراد معلومه أو مقدوره . فكل آية يشعر ظاهرها بتجدد العلم فالمراد تجدد المعلوم لأن التغير فِي علم الله تعالى محال . فمعنى الآية ليظهر معلومنا وهو المخلص من المنافق والمؤمن من الكفار . وقيل: معناه ليحكم بالامتياز ، فوضع العلم مقام الحكم . وقيل: ليعلمهم علماً يتعلق به الجزاء وهو أن يعلمهم موجوداً منهم الثبات ، لأن المجازاة تقع على الواقع دون المعلوم الذي لم يوجد . وقيل: ليعلم أولياء الله فأضاف إلى نفسه تفخيماً لهم . وعلى الأقوال