{هذا بيان} المشار إليه بهذا إما أن يكون جميع ما تقدم من الأمر والنهي والوعد والوعيد للمتقين والتائبين والمصرين ويكون قوله: {قد خلت} جملة معترضة للبعث على الإيمان وما يستحق من الأجر ، وإما أن يكون ما حثهم عليه من النظر فِي سوء عواقب المكذبين ومن الاعتبار بما يعاينون من آثار هلاكهم . أما البيان والهدى والموعظة فلا بد من الفرق بينها لأن العطف يقتضي المغايرة ، فقيل: البيان كالجنس وهو إزالة الشبهات وتحته نوعان: أحدهما الكلام الذي يهدي المكلف إلى ما ينبغي فِي الدين وهو الهدى ، وثانيهما الكلام الزاجر عما لا ينبغي فِي طريق الدين وهو الموعظة . وخص الهدى والموعظة بالمتقين لأنهم هم المنتفعون به . وقيل: البيان عام للناس والهدى والموعظة خاصان بالمتقين ، لأن الهدى اسم للدلالة بشرط كونها موصلة إلى البغية وأقول: يشبه أن يكون البيان عاماً لجميع المكلفين وبأي طريق كان من طرق الدلالة . والهدى يراد به الكلام البرهاني والجدلي ، والموعظة يراد بها الكلام الإقناعي الخطابي كقوله: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن} [النحل: 125] وخص المتقون بالذكر لأن البيان فِي حق غيرهم غير مثمر . ثم لما بيّن هذه المقدمات ومهدها ذكر المقصود وهو قوله: {ولا تهنوا} . كأنه قال: إذا بحثتم عن أحوال القرون الخالية علمتم أن صولة الباطل تضحمل ، وأن العاقبة والغلبة لأرباب الحق . والوهن الضعف أي لا تضعفوا عن الجهاد ولا يورثنكم ما أصابكم يوم أحد وهناً وجبناً {ولا تحزنوا} على من قتل منكم وجرح {وأنتم الأعلون} وحالكم أنكم أعلى منهم وأغلب لأنكم أصبتم منهم يوم بدر أكثر مما أصابوا منكم يوم أحد أو أنتم الأعلون شأنا لأن قتالكم لله وقتالهم للشيطان وقتلاكم فِي الجنة وقتلاهم فِي النار ، أو أنتم الأعلون بالحجة والعاقبة الحميدة كقوله: