وهذه الآية من صفة المُتَّقِين الذين أعِدت لهم الجَنَّة. وأول ما وصفهم الله تعالى به: الإنفاق في كل حال. وهو من أقسام السَّخَاء.
وقوله تعالى: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ} يقال: (كَظَمَ غَيْظَه) : إذا سكت عليه، ولم يُظْهِرْهُ بقول أو فِعْلٍ.
قال المُبَرِّد: تأويله: أنه كتمه على امتلائه منه. ويقال: (كظَمتُ [السِّقَاءَ) : إذا ملأتُه] ، وَشَدَدْتُ عليه. ويقال: ما يَكْظِمُ فلانُ على (جِرَّةٍ) : إذا كان لا يحتمل شيئًا.
قال أبو زيد: وكل ما سددت من مجرى ماءٍ أو طريق؛ فهو (كَظْمٌ) . ويُدعَى الذي تَسُدُّه به: (الكاظِمَة) و (السَّدَادَة) .
و (فلانٌ كَظِيْمٌ) ، و (مَكْظُومٌ) : إذا كان ممتلئا حُزْنًا، مُمْسِكًا عليه. وهما في التنزيل.
ويقال للقناة التي تجري في بطن الأرض: [كِظَامَة] ؛ لامتلائها بالماء كامتلاء القِرْبَةِ المكظومة. ومنه الحديث: (كيف بك إذا بُعِجَتْ مَكَّةُ كظَائِمَ) .
ومنه يقال: (أَخَذَ بكَظْمِهِ) : إذا أخذ بمجرى نَفَسِهِ؛ لأنه موضع الامتلاء بالنَّفَسِ. و (كَظَمَ البعِيرُ والنَّاقَةُ، كُظُومًا) : إذا أَمْسَكا على ما في جَوْفِهما ولم يَجْتَرَّا.
قال الراعي:
فَأَفَضْنَ بعد كُظُومِهِنَّ بِجِرَّةٍ ... مِن ذِي الأَبَاطِح إذْ رَعَيْنَ حَقِيلاَ
وإنَّما تفعل ذلك الإِبِلُ مِنَ الفَزَع أو الجهد. قال الأعشى - ووصف رجلًا نَحَّارًا للإبل، وهي تفزع منه:
قَد تَكْظِمُ البُزْلُ مِنه حين تُبْصِرهُ ... حتَّى تَقَطَّعَ في أجوافها الجِرَرُ
ومعنى {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ} : الكافِّينَ غَضَبَهم عن إمضائه، يَردُّون غيظهم في أجوافهم، ويصبرون فلا يُظِهرون. وهذا الوصف من أقسام الصبر والحِلْم.
وقوله تعالى: {وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ} قال ابن عباس: يريد: المَمَالِيك؛ إذا أذنب واحد منهم ذنبًا، عفوت عنه؛ لما يرجو من ثواب الله.