قال أهل المعاني: إنَّمَا خَصَّ العَرْضَ دون الطول، لأن طولَ كلِّ شيء ٍ في الأغلب أكثر من عَرْضِه. يقول: هذه صفة عرضها، فكيف طولُها؟. كما قال الزُّهْري: إنما وصف عرضها، فأما طولها فلا يعلمه إلَّا الله. وهكذا قوله: {بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ} [الرحمن: 54] ، وصَفَ البِطَانَةَ وتَرَكَ الظِّهارَةَ؛ إذ مِنَ المعلوم أنها أحسن وأنفس من البطائن.
وقال عطاء عن ابن عباس - في قوله: {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ} ، يريد: لِرَجُلٍ واحدٍ مِن أوليائه.
[و] قال جماعة من أهل المعاني: لم يُرِدْ العَرْضَ الذي هو ضِد الطُوْلِ، وإنما أراد بالعرض: السَّعَةَ. والعرب تقول: (بلاد عَرِيضةٌ) ، أي: واسعة. (وفي الأرض العريضة مذهبٌ) [و] قال:
كأنَّ بِلادَ اللهِ وَهْيَ عَرِيضةٌ ... على الخائفِ المَطْلُوبِ كِفَّةُ حابِلِ
وإنما يقال للشيء ِ الواسع: (عَرِيض) ؛ لأن الشيء إذا عَرُضَ اتَّسَعَ، وإذا لم يَعْرُضْ، ضاقَ وَدَقَّ.
قالوا: وتشبيه عرض الجنة بعرض السَّموات والأرض على التمثيل لا على التحقيق؛ معناه: عرضها كعَرْضِ السماوات والأرض عند ظَنِّكم؛ لأنه لا شيء عندنا أعرض منها، فهو كقوله: {خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ} ؛ يعني: عند ظنكم؛ لأنَّهما لابد زائلتان. فَلمَّا كانَ قوله: {مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَاَلأَرضُ} عندنا - في عادة الاستعمال - من ألفاظ التأبيد، خُوطِبْنا على ما نَعْرِف؛ كذلك في هذه الآية.
وسُئِل أنسُ بن مالك عن الجَنَّة: أفي الأرض أم في السماء؟ فقال: وأيُ أرضٍ وسماءٍ تَسَعُ الجَنَّة؟! قيل: فأين هي؟ فقال: فوق السَّموات السَبْع، تحت العَرْش.
134 -قوله تعالى: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ} قال ابن عباس: يعني: في اليُسْرِ والعُسْر. كأنه يريد: السَّرَّاء؛ بكثرة المال، والضَّراء، بِقِلَّتِهِ.