قوله: (إنَّ هؤلاء فِي أمتى قليل إلا من عصم اللَّه وقد كانوا كثيراً فِي الأمم التي مضت) .
رواه الثعلبي فِي تفسيره عن مقاتل بلاغاً ، والديلمي فِي مسند الفردوس من حديث أنس
بن مالك.
قال الشيخ سعد الدين: والاستثناء منقطع وهو ظاهر ، أو متصل لما فِي القلة من معنى العدم ،
كأنه قيل: إنَّ هؤلاء فِي أمتي لا يوجدون إلا من عصم اللَّه فإنه يوجد فِي أمتي . اهـ
قوله: (والمراد وصفه تعالى بسعة الرحمة) .
قال الطَّيبي: اعلم أنَّ صاحب الكشاف سلك بهذا التركيب فِي هذا المقام مسلكاً عجيباً ،
وخرج تخريجاً غريباً قلما تذهب إليه الأذهان إلا من ريض نفسه فِي علم البيان وتمرن في
الأصول ، فنقول: إنه ساق كلامه أولاً فِي بيان ما يقتضي التركيب من الخواص بدلالة
عبارته من جهة المولى ، ثم ثنى إلى بيان ما يقتضيه بدلالة إشارته من جهة العبد.
أما الأول فعلى وجوه:
أحدها: دلالة اسم الذات بحسب ما يقتضيه هذا المقام من معنى الغفران الواسع ، وإيراد
التركيب على صيغة الإنشاء دون الإخبار بأن لم يقل: وما يغفر الذنوب إلا اللَّه
تقرير لذلك المعنى وتأكيد ، كأنه قيل: هل تعرفون أحداً يقدر على غفر الذنوب
كلها صغيرها وكبيرها سالفها وغابرها غيرَ من وسعت رحمته كل شيء .
وفي نقيضه قال صاحب المفتاح فِي قراءة (مَن فرعون) على الاستفهام: (وفرعون) هل
تعرفون من هو فِي فرط عنفه ، وشدة شكيمته ، وتفرعنه ؟ ما ظنكم بعذاب يكون
المعذب به مثله.
ويعضد ما قلناه قوله فِي آخر هذه السورة فِي قوله (لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ) : لإلى الرحيم
الواسع الرحمة المثيب العظيم الثواب تحشرون.
ثانيها: تقديمه عن مكانه وإزالته عن مقره لأنه اعترض بين المبتدأ والخبر ثم بَيَّنَ
المعطوف والمعطوف عليه ، أي: فاستغفروا ولم يصروا ، للدلالة على شدة الاهتمام به
والتنبيه على أنه كلما وجد الاستغفار لم يتخلف عنه الغفران.