وقوله - جلَّ جلالُه -: (فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ(24) .
ولذلك ما أشكل على قوم فقالوا بالإرجاء، واتكلوا على صفة الفضل،
وأهملوا حكم صفة العدل في حقهم، فذهبوا إلى إسقاط العمل وقالوا:"كما لا ينفع"
مع الكفر عمل كذلك لا يضر مع الإيمان بالله ورسوله ذنب"فأسقطوا عن أنفسهم"
وظائف العبادات وخرجوا عن الدين.
وإنما أوقعهم في ذلك أنهم سمعوا قومًا يقولون: من مات وهو غير تائب من
معصية عملها [متعمدًا] لها فهو من أهل النار غير خارج منها أبدًا، مع إبليس -
لعنه الله - وفرعون وهامان، فهو كهؤلاء ففرط هؤلاء وفرط.
فصل الخطاب وعدل القرل في ذلك والله أعلم: إن دين الله بين المقصر
والمغالي، وأن دين الله هو الإسلام، والجزاء عليه من ثواب وعقاب مجموع من
فضل الله وعدله، وهما صفتان له - عز وجل - من صفاته واسمان من أسمائه، لكلٍّ حظ من
حكمته ونصيب من عباده من قوله التام جلَّ قوله:"هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة"
يعملون"فالعمل مقدر، والجزاء مقدر مفروغ منهما."
وفي أخرى:"هؤلاء للجنة ولا أبالي وهؤلاء للنار ولا أبالي"بكفر من كفر،
ولا بإيمان من آمن وعمل.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما يطابق هذا:"إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما"
يبدو للناس حتى يكون بينه وبين الجنة باع أو ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل
بعمل أهل النار فيدخل النار"وبالضد."
قوله جلَّ قوله:"لا أبالي"أي: بكفر من كفر، ثم ختم عمره بالإيمان، ولا بإيمان
من آمن وعمل بطاعتي ثُمَّ ختم عمره بالكفر، ثم الكفر منه صغير وكبير، ولذلك تطرق
دخول النار إلى بعض أهل الشهادة الحق، وعلى ذلك ففي النار عذاب في أقطار
منها (لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى(15) ؛ وقد أعدت للكافرين، وفيها عذاب في قطر أو أقطار
يطابق لصغيره بالأضافة إلى ما هنالك لصغر الكفر ليس هو بالقطر حافته (لَا
يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (15) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (16) . فجاء بلفظ التكثير.