وضرب ينفق فِي السعة دون الضيق ، وهو من وجه جبان يخاف
الفقر ، ومن وَجه حازم يأخد بالوثيقة فِي أمور الدنيا ، وضرب ينفق في
الحالين ، وذلك أحد رجلين: إما متهورَ لا يتفكر فِي العواقب ، ولا
يُبالي من أين يأخذ وأين يضع ، وذلك هو الموصوفِ بأنه من إخوان
الشياطين ، وإما واثق بكفاية الله ينفق ما يحصل فِي يده اعتماداً على
خزائن ربه ، لكن لا يتناول إلا من حيث ما يجب وكما يجب ، ولا يضع
إلا كذلك ، وهو الذي يتناول كل آية مُدحَ فيها المنفقون.
وكظم الغيظ: هو الحلم ، فقد قيل: الحلم: كظم الغيظ ، وهو والعفو
منزلتان شريفتان ، ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -:"من كظم الغيظ وهو يقدر أن ينفذه خيَّره الله فِي أي الحور شاء".
وقال تعالى: (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا) ، وقال: (وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) ، وقال - صلى الله عليه وسلم -:
"ينادي يوم القيامة مناد: من كان له أجر على الله فليقم ، فيقوم العافون عن الناس"، ثم تلا هذه الآية.
والفرق بين الحلم والعفو ، أن الحلم راجع إلى حال
الإِنسان فِي نفسه ، والعفو إلى ما بينه وبين غيره ، وإن كان قلما
ينفك أحدهما عن الآخر ، ووجه الآية أن الله حث فِي الآية الأولى
على طلب الجنة المعدة للمتقين ، ثم بيَّن حالهم وأفعالهم ، فذكر
ما دلّ على جماع مكارم الأخلاق ، وهو السخاء فِي حالي السرّاء
والضراء والحلم والعفو ، وذلك أشرف ضربي الشرع ، وذاك أن الشرع
ضربان: أحكام ومكارم ، ولن يستكمل الإِنسان مكارمه إلا بعد أن
يستكمل أحكامه ، فإن تحرِّي أحكام الشرع من باب العدل ، وتحرّي
العدالة فرض ، ومكارمه من باب الإِحسان ، أي التفضل ، وتحرِّي
التفضل نفل ، ولا تقبل نافلة من أهمل الفرض ، ولا يفضل من
ترك العدل ، بل لا يصح تعاطي التفضل إلا بعد العدل ، فإن العدل
فعل ما يجب ، والفضل الزيادة على ما يجب ، وكيف تصح الزيادة