وهذه معارضة تقنع العامة بما فيه المقنع ، وتطلع الخاصة على ما
نبه عليه بقوله:"ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت"
وقد رُويَ عن ابن عباس: أن لله عوالم ، هذا أحدها.
وقال أبو مسلم بن بحر: العرض هاهنا من قولهم: عرضت الشيء
بالشيء فِي البيع ، وذلك قائم مقام المساواة.
والمعنى: لو عرضت الجنة بالسماوات والأرض لكانتا ثمناً لها ، وذلك
يفسده قوله فِي غير هذه الآية: (كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) .
وقال بعضهم: هو من قولهم: فلان فِي جاه عريض ، وفي سعة
ورحب ، وقد يقال للكبير عريض ، نحو: (فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ) .
والمغفرة أصلها إزالة العقوبة ، وإن كان قد يقال لها وللإِعطاء.
ولمّا أمَر تعالى بالاتقاء من النار ، والاتقاء منها مقتضٍ
للمغفرة ، وذلك منزلة التاركين للذنب ، أمره فِي هذه الآية أن لا
يقتصر على التقوى من النار ، التي هي مقتضية للمغفرة ، بل
يتجاوز إلى طلب الجنة ، فقال: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ) .
قوله تعالى: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ(134)
السّرّاء والضرّاء إشارة إلى حالي السعة والضيق ، كاليسر
والعسر ، وإلى حالي السرور والاغتمام ، وقد فُسر بهما.
واللفظ يتناولهما ، فإن السراء يقابلها الغم ، والضراء يقابلها
النفع ، فأخذ اللفظان المختلفا التقابل ليدل كل واحد على
مقابله ، وهذا من دقائق إيجازات البلاغة ، فمن نظر إلى معنى
السراء قال السرور والغم ، ومن نظر إلى معنى الضراء قال النفع
والضر ، ولما كان الناس فِي الإِنفاق أربعة أضرب:
ضرب لا ينفق فِي حالي السّعة والضيق ، وهو اللئيم على الإطلاق.
وضرب ينفق فِي حالي الضيق دون السعة ، كما قال الشاعر:
وكان غنيَّ النفس فِي حال فقره ... فصار فقيراً فِي الغنى خيفة الفقر