ذاته ، واتقوا النار باعتبار عقابه ، فالأول للأولياء الأصفياء.
ولذلك وصله بالفلاح الذي هو أعلى درجة الثواب.
والثاني للمذنبين ، فلذلك وصله بالرحمة ، ولما كانت المنزلة
الأولى لا تحصل إلا لمن حصلت له المنزلة الثانية ، حثَّ كافة
الناس على الاستعانة بتقوى عقوبته ، والطاعة له ولرسوله فِي ترك
الربا وغيره من المعاصي ؛ ليصلوا إلى الرحمة ذريعةً إلى الفلاح.
إن قيل: الفلاح لا يخرج من أن يكون رحمة ؟
قيل: صحيح ، ولكن الرحمة أعم من الفلاح ، فكُلُّ فلاح رحمة ، وليس كُلُّ رحمة فلاحاً ، ومن قال فِي قوله: (أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) دلالة أن لا فاسق فيها ، فليس باستدلال يوجب الركون إليه ، لأن ما يصحُّ أن يشترك فيه أقوامْ إذا
قيل: أُعِدَّ لفلان. فليس فيه أنه لم يُعدّ لغيره.
ثم قد ثبت أن النار دركات ، فأكثر ما فِي ذلك أن النار المعدَّة للكافر ليست للفاسق.
قوله تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ(133)
إن قيل: ما الفرق بين
الطول والعرض ؟ وهل هما على تقديرك ووضعك كالصعود
والحدور ، أم هما شيئان مختلفان بالذات ؟ وذاك أن الطول
والعرض من خواص الجسم ، فالطول معتبر بالجانب الذي منه
ينشأ وإليه ينشأ. والعرض بالجانبين الآخرين ، وذلكْ متصور في
الحائط والثوب والبيت ، وقد يقال ذلك باعتبار الوضع فِي أشياء
كثيرة ، وقد وقع شبهة على من لم يتمهر فِي المعقولات ، ولم
يتجاوز منزل المحسوسات ، وقال: إذا كانت الجنة فِي السماء
الرابعة على ما رُويَ فِي الخبر فكيف يكون عرضها عرض
السماوات ؛ فجاء قوم من اليهود إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: إذا كانت الجنة عرضها السماوات والأرض فأين النار ؟
فأجابهم - صلى الله عليه وسلم - فقال:"سبحان الله إذا جاء النهار فأين الليل"؟ ،