ويحك انتبه لنفسك ما الذي تنتظر بأوبتك؟ وماذا تترقب بتوبتك المشيب؟ فها هو ذا أوهن العظم وهل بعد رحيل الأهل والأولاد والأقارب، إلا اللحاق.
قدر أن ما تؤمله من الدنيا قد حصل، فكان ماذا؟ ما هو عاجل فشغلك عاجلاً.
ثم آخر جرعة اللذة شرقة، وإما أن تفارق محبوبتك أو يفارقك.
فيا لها جرعة مريرة تودع عندها أن لو لم تره.
آه لمحجوب العقل عن التأمل، ولمصدود عن الورود، وهو يرى المنهل أما في هذه القبور نذير؟ أما في كرور الزمان زاجر؟.
أين من ملك وبلغ المنى فيما أمل.
نادهم في ناديهم. هيهات صموا عن مناديهم.
فلو أن ما بهم الموت، إنما هنيهة ... ثم القبور.
العمل حصل يا معدوماً بالأمس، يا متلاشي الأشلاء في الغد.
بأي وجه تلقى ربك؟ أيساوي ما تناله من الهوى لفظ عتاب؟.
بالله إن الرحمة بعد المعاتبة، ربما لم تستوف قلع البغضة من صميم القلب.
فكيف إن أعقب العتاب عقاب.
قال محمد بن عبد الرحمن الصيرفي: رأى جار لنا يحيى بن أكثم بعد موته في منامه، فقال: ما فعل بك ربك؟ فقال: وقفت بين يديه، فقال لي: سوءة لك يا شيخ.
فقلت: يا رب إن رسولك قال إنك لتستحي من أبناء الثمانين أن تعذبهم، وأنا ابن ثمانين أسير الله في الأرض.
فقال لي: صدق رسولي قد عفوت عنك.
وفي رواية أخرى عن محمد بن سلم الخواص، قال: رأيت يحيى بن أكثم في المنام فقلت: ما فعل الله بك؟ فقال: أوقفني بين يديه وقال لي يا شيخ السوء لولا شيبتك لأحرقتك بالنار.
والمقصود من هذا النظر بعين الاعتبار، هل يفي هذا بدخول الجنة فضلاً عن لذات الدنيا.
فنسأل الله عز وجل أن ينبهنا من رقدات الغافلين، وأن يرينا الأشياء كما هي لنعرف عيوب الذنوب والله الموفق. انتهى انتهى {جامع المواعظ والرقائق، لابن الجوزي} ...