ظنوا ذلك من قوله، وليس هذا مراده، ولا يقتضيه كلامه، بل حكم المكلَّف إذا عرف أفعاله، وعرف المعصية من غيرها، صحّتْ منه التوبة من جملة ما عرف؛ فإنه إن لم يعرف كون فعله الماضي معصية لا يمكنه أن يتوب منه لا على الجملة ولا على التفصيل؛ ومثاله رجل كان يتعاطى باباً من أبواب الربا ولا يعرف أنه رِبا فإذا سمع كلام الله عز وجل: {يا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ اتقوا الله وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الربا إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ الله وَرَسُولِهِ} [البقرة: 279 - 278] عظم عليه هذا التهديد، وظن أنه سالم من الربا، فإذا علم حقيقة الربا الآن، ثم تفكر فيما مضى من أيامه وعلم أنه لابَسَ منه شيئاً كثيراً فِي أوقات متقدّمة، صحّ أن يندم عليه الآن جملة، ولا يلزمه تعيينُ أوقاته، وهكذا كل ما واقع من الذنوب والسيئات كالغيبة والنَّميمة وغيرِ ذلك من المحرّمات التي لم يعرف كونها محرّمة، فإذا فَقُه العبد وتفقَّد ما مضى من كلامه تاب من ذلك جملةً، ونَدِم على ما فرّط فيه من حق الله تعالى، وإذا استحلّ مَن كان ظلمه فحالَلَهُ على الجملة وطابت نفسه بترك حقه جاز؛ لأنه من باب هبة المجهول، هذا مع شُحِّ العبد وحرصه على طلب حقه، فكيف بأكرم الأكرمين المتفضل بالطاعات وأسبابها والعفوِّ عن المعاصي صغارها وكبارها.
قال شيخنا رحمه الله تعالى: هذا مراد الإمام، والذي يدل عليه كلامه لمن تفقَّده، وما ظنه به الظّانّ من أنه لا يصح الندم إلا على فِعلٍ فِعلٍ وحركةٍ حركةٍ وسكنةٍ سكنةٍ على التعيين هو من باب تكْلِيف ما لا يُطاق، الذي لم يقع شرعاً وإن جاز عقلاً، ويلزم عنه أن يعرف كم جرعة جرعها فِي شرب الخمر، وكم حركة تحركها فِي الزنا، وكم خطوة مَشاها إلى محرّم، وهذا ما لا يطيقه أَحدٌ، ولا تتأتّى منه توبة على التفصيل.
وسيأتي لهذا الباب مزيدُ بيان من أحكام التوبة وشروطها فِي"النساء"وغيرها إن شاء الله تعالى. انتهى انتهى. {تفسير القرطبي حـ 4 صـ 213 - 214} . بتصرف يسير.