وتغيظ عبد الملك بن مروان على رجل، فقال: والله لئن أمكنني الله منه لأفعلن به كذا وكذا، فلما صار بين يديه قال رجاء بن حيوة: يا أمير المؤمنين قد صنع الله ما أحببت، فاصنع ما أحب الله، فعفا عنه وأمر له بصلة.
وقال الحسن: إن أفضل رداء تردّى به الإنسان الحلم.
وهو والله عليك أحسن من برد الحبر. وفيه قال أبو تمام:
رفيق حواشي الحلم لو أن حلمه ... بكفيّك ما ماريت في أنه برد
ويقال: الحليم سليم، والسفيه كليم. وقال محمد بن عجلان: ما شيء أشد على الشيطان من عالم معه حلم، إن تكلم تكلم بعلم، وإن سكت سكت بحلم، يقول
الشيطان: سكوته عليّ أشد من كلامه.
شعر:
إذا كنت تبغي شيمة غير شيمة ... طبعت عليها لم تطعك الضرائب
وعن علي بن الحسين رضي الله تعالى عنهما: أقرب ما يكون العبد من غضب الله إذا غضب. وفي التوراة:
اذكرني إذا غضبت أذكرك إذا غضبت، فلا أمحقك فيما أمحق، وإذا ظلمت فاصبر، وارض بنصرتي، فإن نصرتي لك خير من نصرتك لنفسك.
وكان ابن عون إذا غضب على إنسان قال له: بارك الله فيك، وكانت له ناقة كريمة، فضربها الغلام فأندر عينها. فقالوا: إن غضب ابن عون، فإنه يغضب اليوم، فقال للغلام: غفر الله لك.
وقال رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أي شيء أشد؟ قال:
غضب الله. قال: فما يباعدني من غضب الله؟ قال: أن لا تغضب ويقال: من أطاع الغضب أضاع الأرب.
قال أبو العتاهية:
ولم أر في الأعداء حين اختبرتهم ... عدوا لعقل المرء أعدى من الغضب
وقال أبو هريرة رضي الله عنه: ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب. وقال ابن مسعود رضي الله عنه: كفى بالمرء إثما أن يقال له: اتق الله فيغضب، ويقول: عليك نفسك.
وكتب عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه إلى عامل من عماله: أن لا تعاقب عند غضبك، وإذا غضبت على رجل، فاحبسه، فإذا سكن غضبك فأخرجه، فعاقبه على قدر ذنبه، ولا تجاوز به خمسة عشر سوطا. وقيل لابن المبارك رحمه الله تعالى: اجمع لنا حسن الخلق في كلمة واحدة. قال: ترك الغضب.
وقال المعتمر بن سليمان: كان رجل ممن كان قبلكم يغضب، ويشتد غضبه، فكتب ثلاث صحائف، فأعطى كل صحيفة رجلا. وقال للأول: إذا اشتد غضبي، فقم إليّ بهذه الصحيفة وناولنيها، وقال للثاني: إذا سكن بعض غضبي فناولنيها، وقال للثالث: إذا ذهب غضبي، فناولنيها. وكان في الأول: «اقصر، فما أنت وهذا الغضب، إنك لست بإله إنما أنت بشر يوشك أن يأكل بعضك بعضا» .