قال أَبُو حاتم رَضِيَ اللَّه عنه الواجب على العاقل إذا ورد عَلَيْهِ شيء بضد مَا تهواه نفسه أن يذكر كثرة عصيانه ربه وتواتر حلم اللَّه عنه ثم يسكن غضبه ولا يزري بفعله الخروج إلى مالا يليق بالعقلاء في أحوالهم مع تأمل وفور الثواب في العقبى بالاحتمال ونفي الغضب
وأنشدني الأنصاري:
وكظمي الغيظ أولى من محاولتي ... غيظ العدو بإضراري بإيماني
لا خير في الأمر ترديني مغبته ... يوم الحساب إذا مانص ميزاني
أنبأنا مُحَمَّد بْن المنذر حَدَّثَنَا عمر بْن علي بْن زياد العنبري قَالَ سمعت سالم ابن ميمون الخواص يقول:
إذا نطق السفيه فلا تجبه ... فخير من إجابته السكوت
سكت عَن السفيه فظن أني ... عييت عَن الجواب وما عييت
شرار الناس لو كانوا جميعا ... قذى في جوف عيني مَا قذيت
فلست مجاوبا أبدا سفيها ... خزيت لمن يجافيه خزيت
وأنشدني عَبْد العزيز بْن سليمان الأبرش:
تأن في أمرك وافهم عني ... فليس شيء يعدل التأني
تأن فيه ثم قل فإني أرجو لك الإرشاد بالتأني
أخبرني مُحَمَّد بْن أَبِي علي الخلادي حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن جعفر الزبيري عَن سَعِيد بْن إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد بْن طلحة قَالَ أنشدني يونس بْن إِبْرَاهِيم بْن محمد أبن طلحة لمحمد بْن عيسى بْن طلحة بْن عُبَيْد اللَّه
فلا تعجل على أحد بظلم ... فإن الظلم مرتعه وخيم
ولا تفحش وإن مليت غيظا ... على أحد فإن الفحش لوم
ولا تقطع أخا لك عند ذنب ... وإن الذنب يغفره الكريم
ولكن داري عوراه برفق ... كما قد يرقع الخلق القديم
ولا تجزع لريب الدهر واصبر ... فإن الصبر في العقبى سليم
فما جزع بمغن عنك شيئا ... ولا مافات ترجعه الهموم
قال أَبُو حاتم رَضِيَ اللَّه عنه لو لم يكن في الغضب خصلة تذم إلا إجماع الحكماء قاطبة على أن الغضبان لا رأي له لكان الواجب عَلَيْهِ الاحتيال لمفارقته بكل سبب
والغضبان لا يعذره أحد في طلاق ولا عتاق.
ومن الفقهاء من عذر السكران في الطلاق والعتاق والخلق مجبولون على الغضب والحلم معا فمن غضب وحلم في نفس الغضب فإن ذلك ليس بمذموم مَا لم يخرجه غضبه إلى المكروه من القول والفعل على أن مفارقته في الأحوال كلها أَحْمَد.
ولقد أَنْبَأَنَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا الْغَلابِيُّ حَدَّثَنَا مهدي بْن سابق عَن عطاء قَالَ قَالَ عَبْد الملك بْن مروان إذا لم يغضب الرجل لم يحلم لأن الحليم لا يعرف إلا عند الغضب.