فَلَمْ يُنْكِرْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَوْلَهُ عَلَيْهِ. وَمَنْ فَقَدَ الْغَضَبَ فِي الْأَشْيَاءِ الْمُغْضِبَةِ حَتَّى اسْتَوَتْ حَالَتَاهُ قَبْلَ الْإِغْضَابِ وَبَعْدَهُ، فَقَدْ عَدِمَ مِنْ فَضَائِلِ النَّفْسِ الشَّجَاعَةَ، وَالْأَنَفَةَ، وَالْحَمِيَّةَ، وَالْغَيْرَةَ، وَالدِّفَاعَ، وَالْأَخْذَ بِالثَّأْرِ؛ لِأَنَّهَا خِصَالٌ مُرَكَّبَةٌ مِنْ الْغَضَبِ.
فَإِذَا عَدِمَهَا الْإِنْسَانُ هَانَ بِهَا وَلَمْ يَكُنْ لِبَاقِي فَضَائِلِهِ فِي النُّفُوسِ مَوْضِعٌ، وَلَا لِوُفُورِ حِلْمِهِ فِي الْقُلُوبِ مَوْقِعٌ.
وَقَدْ قَالَ الْمَنْصُورُ: إذَا كَانَ الْحِلْمُ مَفْسَدَةً كَانَ الْعَفْوُ مَعْجَزَةً.
وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: الْعَفْوُ يُفْسِدُ مِنْ اللَّئِيمِ بِقَدْرِ إصْلَاحِهِ مِنْ الْكَرِيمِ.
وَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: أَكْرِمُوا سُفَهَاءَكُمْ فَإِنَّهُمْ يَقُونَكُمْ الْعَارَ وَالشَّنَارَ.
وَقَالَ مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ: مَا قَلَّ سُفَهَاءُ قَوْمٍ إلَّا ذَلُّوا.
وَقَالَ أَبُو تَمَّامٍ الطَّائِيُّ:
وَالْحَرْبُ تَرْكَبُ رَأْسَهَا فِي مَشْهَدٍ ... عَدْلُ السَّفِيهِ بِهِ بِأَلْفِ حَلِيمِ
وَلَيْسَ هَذَا الْقَوْلُ إغْرَاءٌ بِتَحَكُّمِ الْغَضَبِ وَالِانْقِيَادِ إلَيْهِ عِنْدَ حُدُوثِ مَا يُغْضِبُ، فَيَكْسِبُ بِالِانْقِيَادِ لِلْغَضَبِ مِنْ الرَّذَائِلِ أَكْثَرَ مِمَّا يَسْلُبُهُ عَدَمُ الْغَضَبِ مِنْ الْفَضَائِلِ. وَلَكِنْ إذَا ثَارَ بِهِ الْغَضَبُ عِنْدَ هُجُومِ مَا يُغْضِبُهُ كَفَّ سَوْرَتَهُ بِحَزْمِهِ، وَأَطْفَأَ ثَائِرَتَهُ بِحِلْمِهِ، وَوَكَّلَ مَنْ اسْتَحَقَّ الْمُقَابَلَةَ إلَى غَيْرِهِ. وَلَمْ يَعْدَمْ مُسِيئًا مُكَافِيًا كَمَا لَمْ يَعْدَمْ مُحْسِنًا مُجَازِيًا.
وَالْعَرَبُ تَقُولُ: دَخَلَ بَيْتًا مَا أُخْرِجَ مِنْهُ. أَيْ إنْ أُخْرِجَ مِنْهُ خَيْرٌ دَخَلَهُ خَيْرٌ، وَإِنْ أُخْرِجَ مِنْهُ شَرٌّ دَخَلَهُ شَرٌّ.
وَأَنْشَدَ ابْنُ دُرَيْدٍ عَنْ أَبِي حَاتِمٍ:
إذَا أَمِنَ الْجُهَّالُ جَهْلَك مَرَّةً ... فَعِرْضُك لِلْجُهَّالِ غُنْمٌ مِنْ الْغُنْمِ
فَعَمِّ عَلَيْهِ الْحِلْمَ وَالْجَهْلَ وَالْقِهِ ... بِمَنْزِلَةٍ بَيْنَ الْعَدَاوَةِ وَالسِّلْمِ
إذَا أَنْتَ جَازَيْت السَّفِيهَ كَمَا جَزَى ... فَأَنْتَ سَفِيهٌ مِثْلُهُ غَيْرُ ذِي حِلْمِ