ورُوي عن ميمون بن مهران أن جاريته جاءت ذات يوم بصحفة فيها مَرَقَة حارّة، وعنده أضياف فعثرت فصبت المرقة عليه، فأراد ميمون أن يضربها، فقالت الجارية: يا مولاي، استعمل قول الله تعالى: {والكاظمين الغيظ} .
قال لها: قد فعلت، فقالت: اعمل بما بعده {والْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ} .
فقال: قدَ عَفوتُ عنك.
فقالت الجارية: {والله يُحِبُّ المحسنين} .
قال ميمون: قد أحسنت إليكِ، فأنت حرّة لوجه الله تعالى.
ورُوي عن الأحنف بن قيس مثله.
وقال زيد ابن سلم: {والعافين عَنِ الناس} عن ظلمهم وإساءتهم.
وهذا عام، وهو ظاهر الآية.
وقال مقاتل بن حيان فِي هذه الآَية: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عند ذلك:"إنّ هؤلاء من أمتي قليل إلا من عصمه الله وقد كانوا كثيرًا فِي الأمم التي مضت"فمدح الله تعالى الذين يغفرون عند الغضب وأثنى عليهم فقال: {وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُون} [الشورى: 37] وأثنى على الكاظمين الغيظ بقوله: {والعافين عَنِ الناس} ، وأخبر أنه يحبهم بإحسانهم فِي ذلك.
ووردت فِي كظم الغيظ والعفو عن الناس وملْك النفس عند الغضب أحاديثُ؛ وذلك من أعظم العبادة وجِهادِ النفس؛ فقال صلى الله عليه وسلم:"ليس الشديد بالصُّرَعَةِ ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب"وقال عليه السلام:"ما من جرعة يتجرّعها العبد خير له وأعظم أجراً من جرعةٍ غيظٍ فِي الله"وروى أنس أن رجلا قال: يا رسول الله، ما أشدّ من كل شيء؟ قال:"غضب الله".
قال فما ينجي من غضب الله؟ قال:"لا تغضب"قال العرجي:
وإذا غضبت فكن وَقُوراً كاظما ... للغيظ تَبْصُر ما تقول وتسمع
فكفى به شرفا تَصبُّر ساعة ... يرضى بها عنك الإله وتُرفع
وقال عروة بن الزبير فِي العفو:
لن يبلغ المجدَ أقوامٌ وإن شرفوا ... حتى يُذِلُوا وإن عَزوا لأقوام
ويُشْتَموا فترى الألوانَ مُشرِقَة ... لا عَفْو ذُلِّ ولكن عَفْو إكرامِ