قال الزمخشري: في هذه الجملة مع قوله منهم المؤمنون كلاما زائد أنه على سبيل الاستطراد عند إجراء ذكر أهل الكتاب.
ابن عرفة: كان بعضهم يتعقبه من وجهين:
الأول: أن الاستطراد إنما يكون غير مقصود أن يؤتى بالجملة في ضمن جملة أخرى، لم يقصد الإخبار بها أولا بل جاءت على سبيل الاستثناء ... لعزب من المناسبة والقرآن منزه عن ذلك، وهو بخلاف الاستطراد الذي يذكره البيانيون، فإن الاستطراد عندهم، قال مالك: هو أن يكون من الفنون فيتوهم استرساله فيه ويخرج منه إلى غيره، ثم ترجع فإن تمادى بذلك الخروج، قال الله تعالى: (أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ) .
الجواب الثاني: أن جملة (لَنْ يَضُرُّوكُمْ) أتى بها احتراسا أو تتميما لما قبلها؛ لأنه لما تقدمها، (وَأكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ) خشي أن يتوهم المؤمنون
أن الكفار يغلبونهم بالكثرة والقوة، فاحترس من ذلك بهذه الآية، وقال: لَا تتوهموا أنهم يضروكم غاية أمرهم أنهم يؤذونكم بالقول فقط، وهذا أحسن مما قال الزمخشري.
ابن عرفة: والضرر المنفي فعلي والأذى قولي، أي لَا يصدر منهم لكم إذا إلا كما يصدر من المريض العاجز عن الحركات، والمريض العاجز لَا يصدر منه إلا الإذاية بالقول خاصة فكذلك هؤلاء.
قوله تعالى: (وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ) .
ولم يقل: يولوكم أدبارهم، أجاب ابن عرفة بأنه لو قيل: يولوكم أدبارهم لما حصلت كمال الطمأنينة للمؤمنين؛ لأن الجيش له مقدم ومؤخر، وساعة وقلب، ففي الممكن إذا انهزم مقدمه المباشرون للقتال ولوا أدبارهم أن مخلفهم الساعة والمؤخر، فلما قال: (يُوَلُّوكُمُ الأَدْبَارَ) أفاد العموم وأشعر بانهزام جميع جيشهم ثم لما كان المعهود في الجيوش المنهزمين أنهم كثيرا ما يفرون حتى يأخذ العدو سلبهم أو بعضه، ثم يكرون عليه فيهزمونه ويستخلصون منه ما أخذ لهم احترز من ذلك بقوله: (ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ) .
قوله تعالى: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ ... (112) }