ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي حُضُورِ الْمَلَائِكَةِ يَوْمَ بَدْرٍ حَرْبَهُمْ، فِي أَيِّ يَوْمٍ وُعِدُوا ذَلِكَ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ كَانَ وَعَدَ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ بَدْرٍ أَنْ يُمِدَّهُمْ بِمَلَائِكَتِهِ إِنْ أَتَاهُمُ الْعَدُوُّ مِنْ فَوْرِهِمْ، فَلَمْ يَأْتُوهُمْ، وَلَمْ يُمَدُّوا.
عَنْ عَامِرٍ، قَالَ: حَدَّثَ الْمُسْلِمُونِ، أَنَّ كُرْزَ بْنَ جَابِرٍ الْمُحَارِبِيَّ، يُمِدُّ الْمُشْرِكِينَ، قَالَ: فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَقِيلَ لَهُمْ: {أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةَ مُنْزَلِينَ بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ} قَالَ: «فَبَلَغَتْ كُرْزًا الْهَزِيمَةُ فَرَجَعَ، وَلَمْ يُمِدَّهُمْ بِالْخَمْسَةِ»
وَقَالَ آخَرُونَ: كَانَ هَذَا الْوَعْدُ مِنَ اللَّهِ لَهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ، فَصَبَرَ الْمُؤْمِنُونَ وَاتَّقَوُا اللَّهَ، فَأَمَدَّهُمْ بِمَلَائِكَتِهِ عَلَى مَا وَعَدَهُمْ
عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ مَالِكِ بْنِ رَبِيعَةَ، وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا أَنَّهُ قَالَ بَعْدَ إِذْ ذَهَبَ بَصَرُهُ: «لَوْ كُنْتُ مَعَكُمُ الْيَوْمَ بِبَدْرٍ، وَمَعِي بَصَرِي، لَأَرَيْتُكُمُ الشِّعْبَ الَّذِي خَرَجَتْ مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ لَا أَشُكُّ وَلَا أَتَمَارَى»
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: ثني رَجُلٌ مِنْ بَنِي غِفَارٍ، قَالَ:"أَقْبَلْتُ أَنَا وَابْنُ عَمٍّ لِي حَتَّى أَصْعَدْنَا فِي جَبَلٍ يُشْرِفُ بِنَا عَلَى بَدْرٍ، وَنَحْنُ مُشْرِكَانِ نَنْتَظِرُ الْوَقْعَةَ عَلَى مَنْ تَكُونُ الدَّبْرَةُ، فَنَنْتَهِبُ مَعَ مَنْ يَنْتَهِبُ. قَالَ: فَبَيْنَا نَحْنُ فِي الْجَبَلِ، إِذْ دَنَتْ مِنَّا سَحَابَةٌ، فَسَمِعْنَا فِيهَا حَمْحَمَةَ الْخَيْلِ، فَسَمِعْتُ قَائِلًا يَقُولُ: أَقْدِمْ حَيْزُومُ، قَالَ: فَأَمَّا ابْنُ عَمِّي فَانْكَشَفَ قِنَاعُ قَلْبِهِ، فَمَاتَ مَكَانَهُ، وَأَمَّا أَنَا فَكِدْتُ أَهْلِكَ، ثُمَّ تَمَاسَكْتُ"
وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «لَمْ تُقَاتِلِ الْمَلَائِكَةُ فِي يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ سِوَى يَوْمِ بَدْرٍ، وَكَانُوا يَكُونُونَ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْأَيَّامِ عَدَدًا وَمَدَدًا لَا يَضْرِبُونَ»