وَأَوْلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: عَنَى بِذَلِكَ يَوْمَ أُحُدٍ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ فِي الْآيَةِ الَّتِي بَعْدَهَا: {إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا} وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ التَّأْوِيلِ أَنَّهُ عَنَى بِالطَّائِفَتَيْنِ بَنِي سَلَمَةَ وَبَنِي حَارِثَةَ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ السِّيَرِ وَالْمَعْرِفَةِ بِمَغَازِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الَّذِيَ ذَكَرَ اللَّهُ مِنْ أَمْرِهِمَا إِنَّمَا كَانَ يَوْمَ أُحُدٍ دُونَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ.
فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: وَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ يَوْمَ أُحُدٍ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا رَاحَ إِلَى أُحُدٍ مِنْ أَهْلِهِ لِلْقِتَالِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ مَا صَلَّى الْجُمُعَةَ فِي أَهْلِهِ بِالْمَدِينَةِ بِالنَّاسِ؟
قِيلَ: إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنْ كَانَ خُرُوجُهُ لِلْقَوْمِ كَانَ رَواحًا فَلَمْ يَكُنْ تَبْوِئَتُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَهُمْ لِلْقِتَالِ عِنْدَ خُرُوجِهِ، بَلْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ خُرُوجِهِ لِقِتَالِ عَدُوِّهِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ نَزَلُوا مَنْزِلَهُمْ مِنْ أُحُدٍ فِيمَا بَلَغَنَا يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ، فَأَقَامُوا بِهِ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ وَيَوْمَ الْجُمُعَةِ، حَتَّى رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ مَا صَلَّى بِأَصْحَابِهِ الْجُمُعَةَ، فَأَصْبَحَ بِالشِّعْبِ مِنْ أُحُدٍ يَوْمَ السَّبْتِ لِلنِّصْفِ مِنْ شَوَّالٍ
فَإِنْ قَالَ: وَكَيْفَ كَانَتْ تَبْوِئَتُهُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ غَدَوْا قَبْلَ خُرُوجِهِ، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ التَّبْوِئَةَ اتِّخَاذُ الْمَوْضِعِ؟