قوله: [عز وجل] {ذلك بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ الله} أي: تبوءهم الذي باءوا به من غضب الله ، وضرب الذلة بدل مما كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ، فكأنهم ألزموا الذلة ، والغضب لفعلهم هذا ، ثم قال: {ذلك بِمَا عَصَوْاْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ} أي: فعل بهم ذلك بعصيانهم واعتدائهم كذلك فِي موضع نصب وهو ذلك الثاني.
قوله: {لَيْسُواْ سَوَآءً مِّنْ أَهْلِ الكتاب} .
هذا مردود على [قوله] {مِّنْهُمُ المؤمنون وَأَكْثَرُهُمُ الفاسقون} ثم قال: {لَيْسُواْ سَوَآءً} أي: ليس المؤمنون والفاسقون سواء وتم الكلام ، ويعني بذلك من آمن من أهل الكتاب ومن لم يؤمن .
والفراء يقدره بمعنى ليست تستوي أمة من أهل الكتاب قائمة من حالها كذا وأمة على غير ذلك ، وهو غلط من وجوه: أحدها أنه يقدر محذوفاً ولا يحل التمام سواء ، وترتفع أمة بسواء ، وإذا فعل ذلك لم يعد على اسم ليس ذكر وساء ليس بجار على الفعل فيرفع الظاهر ، والمضمر الذي يضمر لا يدل على شيء من الكلام.
وأبو عبيدة يجعل {لَيْسُواْ} على لغة من قال: أكلوني البراغيث ، ويجعل {أُمَّةٌ} اسم ليس و {سَوَآءً} الخبر ويقدر محذوفاً ، وهو ذكر الكفار من أهل الكتاب ، وهو بعيد لأن ذكر أهل الكتاب قد تقدم ، فليس [هو] مثل أكلوني البراغيث لأنه لم يتقدم [له] ذكر.
وتصغير {آنَآءَ} أوينا تبدل من الألف التي هي فاء الفعل واواً كما تقول: أويد فِي آدم ، ومعنى الآية: أنه تعالى أعلمنا أنه ليس أهل الإيمان من أهل الكتاب والكفر سواء ، والضمير فِي {لَيْسُواْ} يعود على ما تقدم من ذكر المؤمنين والفاسقين (من أهل الكتاب فقال) : من أهل الكتاب {أُمَّةٌ} شأنها بالمدح والثناء هذا
مذهب البصريين.