وأما إذا جزع وهلع ومال إلى الدنيا فلا يحصل له ذلك لأن النفس حينئذٍ تستولي عليه وتحجبه بظلمة صفاتها عن النور فلم تبق تلك المناسبة وانقطع المدد ولم تنزل الملائكة، {وَمَا جَعَلَهُ الله إِلاَّ بشرى لَكُمْ} أي إلا لتستبشروا به فيزداد نشاطكم فِي التوجه إلى الحق {وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ} فيتحقق الفيض بقدر التصفية {وَمَا النصر إِلاَّ مِنْ عِندِ الله} لا من عند الملائكة فلا تحتجبوا بالكثرة عن الوحدة وبالخلق عن الحق فالكل منه تعالى وإليه {العزيز} فلا يعجزه الظهور بما شاء وكيف شاء {الحكيم} [آل عمران: 126] الذي ستر نصره بصور الملائكة لحكمة {لِيَقْطَعَ} أي يهلك {طَرَفاً مّنَ الذين كَفَرُواْ} وهم أعداء الله تعالى {أَوْ يَكْبِتَهُمْ} يخزيهم ويذلهم {فَيَنقَلِبُواْ خَائِبِينَ} [آل عمران: 127] فيرجعوا غير ظافرين بما أملوا {لَيْسَ لَكَ} من حيث أنت {مِنَ الأمر شَيْء} وكله لك من حيثية أخرى {أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} إذا أسلموا فتفرح لأنك المظهر للرحمة الواسعة {وَمَا أرسلناك إِلاَّ رَحْمَةً للعالمين} {أَوْ يُعَذّبَهُمْ} لأجلك فتشتفي بهم من حيث أنهم خالفوا الأمر الذي بعثت به إلى الناس كافة {فَإِنَّهُمْ ظالمون} [آل عمران: 128] بتلك المخالفة {وَللَّهِ مَا فِى السماوات} من عالم الأرواح {وَمَا فِى الأرض} من عالم الطبيعيات يتصرف فيهما كيفما يشاء ويختار {يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء} لأن له التصرف المطلق فِي الملك والملكوت {والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [آل عمران: 129] كثير المغفرة والرحمة نسأل الله تعالى أن يغفر لنا ويرحمنا. انتهى انتهى. {روح المعاني حـ 4 صـ 52 - 54}