ففي الحقيقة بينهما عداوة حقيقية وبعد كلي إلى حيث لا تتراءى ناراهما، وآثار ذلك ظاهرة كما بين الله تعالى بقوله سبحانه: {قَدْ بَدَتِ البغضاء مِنْ أفواههم} لامتناع إخفاء الوصف الذاتي {وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ} لأنه المنشأ لذلك فهو نار وذاك شرار وهو جبل والظاهر غبار {قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيات} وهي العلامات الدالة على المحبة والعداوة وأسبابهما {إِنْ كُنتُمْ تَعْقِلُونَ} [آل عمران: 118] وتفهمون من فحوى الكلام {تَعْقِلُونَ هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ} بمقتضى ما عندكم من التوحيد لأن الموحد يحب الناس كلهم بالحق للحق ويرى الكل مظهراً لحبيبه جل شأنه فيرحم الجميع ويعلم أن البعض منهم قد اشتغل بباطل نظراً إلى بعض الحيثيات وابتلى بالقدر، وهذا لا ينافي ما قدمنا آنفاً عند التأمل {وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ} بمقتضى الحجاب والظلمة التي ضربت عليهم {وَتُؤْمِنُونَ بالكتاب} أي جنسه {كُلُّهُ} لما أنتم عليه من التوحيد المقتضى لذلك وهم لا يؤمنون بذلك للاحتجاب بما هم عليه {هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ} لما فيهم من النفاق المستجلب للأغراض العاجلة {وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الانامل مِنَ الغيظ} [آل عمران: 119] الكامن فِي صدورهم {إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ} كآثار تجلي الجمال {تَسُؤْهُمْ} ويحزنوا لها {وَإِن تُصِبْكُمْ سَيّئَةٌ} أي ما يظنون أنه سيئة كآثار تجلي الجلال {يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ} على ما ابتليتم به وتثبتوا على التوحيد {وَتَتَّقُواْ} الاستعانة بالسوي {لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً} لأن الصابر على البلاء المتوكل على الله تعالى المستعين به المعرض عمن سواه ظافر بطلبته غالب على خصمه محفوف محفوظ بعناية الله تعالى، والمخذول من استعان بغيره وقصده سواه كما قيل:
من استعان بغير الله فِي طلب ... فإن ناصره عجز وخذلان