ثم جاء المقطع الثاني لينهانا أن نتخذ بطانة من دوننا كائنا من كانوا، وبين لنا الأسباب التي يحول بيننا وبين أن نتخذهم بطانة، وذكرنا بما يعين على ذلك فهاتان طائفتان مؤمنتان كادتا أن تفشلا بسبب حسن ظنهم بالمنافقين يوم أحد، ثم إن عصمة الله لهما منعتهما من ذلك، ونصرة الله للمؤمنين يوم بدر ينبغي أن تكون على ذكر منا، بحيث تقتلع من قلوبنا ما يمكن أن نحذره حين لا نتخذ بطانة من دون المؤمنين. ثم ذكرنا الله - عزّ وجل - بحكمته التي تجعله يعذب من يشاء، ويغفر لمن يشاء، وذلك له تأثيراته في قضية النهي عن اتخاذ بطانة من الكافرين.
وبعد ذلك كله، يأتي المقطع الثالث والأخير من القسم الرابع؛ ليبني الجماعة المسلمة بعد أن حذرها في المقطعين السابقين من أخطر قضيتين يمكن أن تتساهل فيهما، طاعة أهل الكتاب، واتخاذ بطانة من دون المؤمنين. فيأتي المقطع الثالث ليأمر بترك
الربا، ويأمر بالطاعة لله والرسول، والمسارعة إلى رضوان الله - عزّ وجل - وينهى عن الوهن والحزن، إلى غير ذلك مما سنراه، مما يبين لنا أن الطريق هو هذا، لا في اتخاذكم بطانة من دونكم، أو في طاعتكم لأهل الكتاب، والملاحظ أن النهي عن أكل الربا يأتي في ابتداء المقطع اللاحق، فكأن المقاطع الثلاثة تنبه في آياتها الأولى على النقاط التي يتوهم المسلمون أن فيها مصلحة. ومن نظر إلى ما حدث في عصرنا من طاعة الكثيرين - حكاما ومحكومين - لأهل الكتاب، واتخاذهم بطانة من دون المسلمين، ورؤية كل الحكومات على الأرض الإسلامية تقريبا أن الربا مفيد. من رأى هذا كله أدرك بعض الحكمة في مجيء هذه المعاني في هذا القسم. ومن أدرك أن المقطعين السابقين حددا فيما حددا العلاقة بين أهل التقوى وأهل الكفر والنفاق، أدرك صلة ذلك بمقدمة سورة البقرة. انتهى انتهى {الأساس في التفسير} ...