وبعد أن بين الله - عزّ وجل - النهي عن اتخاذ بطانة من دوننا وأسبابه، ووعد عباده المؤمنين، أن يحبط مكر الكافرين في حالة تقوانا، وصبرنا. يضرب لنا مثلين عن حالتين تولى عباده المؤمنين فيهما: يوم أحد، ويوم بدر، فأحبط كيد أعدائهم بسبب صبرهم وتقواهم. والدليل على أن هاتين القصتين مساقتان كنموذجين على تولي الله المؤمنين، وإحباط كيد أعدائهم في حالة صبرهم وتقواهم، هو ورود ذكر الصبر والتقوى في الآيات السابقة:
وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً.
ووروده فيما يأتي: بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ.
وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ المراد بالقتال هنا معركة أحد، والغدو: الخروج صباحا، والمعنى: واذكر يا محمد مثلا على تولي الله المؤمنين، حين خرجت من أهلك بالمدينة تبوئ، أي: تنزل المؤمنين في منازلهم ومواطنهم، ومواقفهم للقتال من الميمنة، والميسرة، والقلب، والجناحين، والساقة. وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ أي: سميع لأقوالكم، عليم بنياتكم وضمائركم.
إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُما هذا الذي سيقت القصة من أجله، وأمر بالتذكير فيه، إذ حمى الله - عزّ وجل - طائفتين من المؤمنين يوم أحد من أن تتخذا مواقف المنافقين، إذ انسحبوا، فكان في ذلك حفظ لهما، ودعم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وتفشيل لكيد المنافقين. والمعنى: واذكر إذ همت عشيرتان: هم بنو سلمة من الخزرج، وبنو حارثة من الأوس، أن تجبنا وتضعفا، وتنسحبا، ولكن الله محبهما وناصرهما، ومتولي أمرهما ولذلك صرفهما عن مشاركة المنافقين بالانسحاب فلم يفعلا.
وهذه القصة تعلمنا أن نسلم أمورنا لله، وأن نتوكل عليه، وألا نخالف أمره. ومن ثم
ختمت الآية بالأمر بالتوكل فقال تعالى: وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ. أمرنا ألا نتوكل إلا عليه، وألا نفوض أمورنا إلا إليه.
فوائد: