كَانَ الْمُؤْمِنُونَ السَّابِقُونَ إِلَى الْإِسْلَامِ عَلَى ثِقَةٍ مِنْ وَعْدِ اللهِ - تَعَالَى - بِنَصْرِ نَبِيِّهِ وَإِظْهَارِ دِينِهِ لَمْ يُزَلْزِلْ إِيمَانَهُمْ بِذَلِكَ ضَعْفُهُمْ وَقِلَّتُهُمْ ، وَلَا إِخْرَاجُ الْمُشْرِكِينَ لِلْمُهَاجِرِينَ مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ ، وَكَانَتْ وَقْعَةُ بَدْرٍ أَوَّلَ تَبَاشِيرِ هَذَا النَّصْرِ ، فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّ اللهَ - تَعَالَى - نَصَرَهُمْ عَلَى قِلَّتِهِمْ وَضَعْفِهِمْ بَعْدَ مَا كَانَ مِنْ دُعَاءِ الرَّسُولِ وَتَضَرُّعِهِ وَاسْتِغَاثَتِهِ رَبَّهُ زَادَهُمْ ذَلِكَ إِيمَانًا
بِأَنَّهُمْ هُمُ الْمَنْصُورُونَ ، وَلَكِنْ وَقَعَ فِي نُفُوسِ الْكَثِيرِينَ - إِنْ لَمْ نَقُلْ فِي نُفُوسِ الْجَمِيعِ - أَنَّ نَصْرَهُمْ سَيَكُونُ بِالْآيَاتِ وَالْعِنَايَةِ الْخَاصَّةِ مِنْ غَيْرِ الْتِزَامٍ لِلسُّنَنِ الْإِلَهِيَّةِ فِي الِاجْتِمَاعِ الْبَشَرِيِّ ، وَأَنَّ وُجُودَ الرَّسُولِ فِيهِمْ وَدُعَاءَهُ عَلَى أَعْدَائِهِمْ هُمَا أَفْعَلُ فِي التَّنْكِيلِ بِالْكُفَّارِ مِنِ الْتِزَامِ الْأَسْبَابِ الظَّاهِرَةِ الَّتِي أَهَمُّهَا طَاعَةُ الْقَائِدِ وَالْتِزَامُ النِّظَامِ الْعَسْكَرِيِّ وَغَيْرُ ذَلِكَ ، وَلَكِنَّ الْإِسْلَامَ دِينُ الْفِطْرَةِ لَا الْخَوَارِقِ .
كَانَتْ عَاقِبَةُ ذَلِكَ أَنْ قَصَّرُوا فِي هَذِهِ الْأَسْبَابِ يَوْمَ أُحُدٍ حَتَّى ظَهَرَ عَلَيْهِمُ الْعَدُوُّ وَجُرِحَ الرَّسُولُ نَفْسُهُ - وَإِنْ لَمْ يُقَصِّرْ هُوَ - وَلَمْ يَنْهَزِمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، كَمَا هِيَ السُّنَّةُ الِاجْتِمَاعِيَّةُ الَّتِي