كَانَ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ بَدْرٍ فِي قِلَّةٍ وَذِلَّةٍ مِنَ الضَّعْفِ وَالْحَاجَةِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُمُ اعْتِمَادٌ إِلَّا عَلَى اللهِ - تَعَالَى - وَمَا وَهَبَهُمْ مِنْ قُوَّةٍ فِي أَبْدَانِهِمْ وَنُفُوسِهِمْ ، وَمَا أَمَرَهُمْ بِهِ مِنَ الثَّبَاتِ وَالذِّكْرِ إِذْ قَالَ: إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [8: 45] فَبَذَلُوا كُلَّ قُوَاهُمْ وَامْتَثَلُوا أَمْرَ رَبِّهِمْ ، وَلَمْ يَكُنْ فِي نُفُوسِهِمِ اسْتِشْرَافٌ إِلَى شَيْءٍ مَا غَيْرَ نَصْرِ اللهِ وَإِقَامَةِ دِينِهِ وَالذَّوْدِ عَنْ نَبِيِّهِ لَا فِي أَوَّلِ الْقِتَالِ وَلَا فِي أَثْنَائِهِ ، فَكَانَتْ أَرْوَاحُهُمْ بِهَذَا الْإِيمَانِ وَهَذَا الصَّفَاءِ قَدْ عَلَتْ وَارْتَقَتْ حَتَّى اسْتَعَدَّتْ لِقَبُولِ الْإِلْهَامِ مِنْ أَرْوَاحِ الْمَلَائِكَةِ وَالتَّقْوَى بِنَوْعٍ مَا مِنَ الِاتِّصَالِ بِهَا .
وَأَمَّا يَوْمَ أُحُدٍ فَقَدْ كَانَ بَعْضُهُمْ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ عَلَى مَقْرُبَةٍ مِنَ الِافْتِتَانِ بِمَا كَانَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ ، وَلِذَلِكَ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْهُمْ أَنْ تَفْشَلَا ، ثُمَّ إِنَّهُمْ لَمَّا تَثَبَّتُوا وَبَاشَرُوا الْقِتَالَ انْتَصَرُوا وَهَزَمُوا
الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ هُمْ أَكْثَرُ مِنْهُمْ ، فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ خَرَجَ بَعْضُهُمْ عَنِ التَّقْوَى وَخَالَفُوا أَمْرَ الرَّسُولِ ، وَطَمِعُوا فِي الْغَنِيمَةِ وَفَشِلُوا وَتَنَازَعُوا فِي الْأَمْرِ فَضَعُفَ اسْتِعْدَادُ أَرْوَاحِهِمْ ، فَلَمْ تَرْتَقِ إِلَى أَهْلِيَّةِ الِاسْتِمْدَادِ مِنْ أَرْوَاحِ الْمَلَائِكَةِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْهُمْ مَدَدٌ ; لِأَنَّ الْإِمْدَادَ لَا يَكُونُ إِلَّا عَلَى حَسَبِ الِاسْتِعْدَادِ .